تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج السنة النبوية — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
فَعَلَهُ كَانَ حَسَنًا . فَهَؤُلَاءِ يَمْتَنِعُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُقَالَ : يَحْسُنُ مِنْهُ كَذَا ، فَضْلًا عَنِ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : قَوْلُ مَنْ يَقُولُ : إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَدْلُ وَالرَّحْمَةُ بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 54 ] . وَيَحْرُمُ الظُّلْمُ بِتَحْرِيمِهِ عَلَى نَفْسِهِ ، كَمَا قَالَ فِي الصَّحِيحِ : « يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا ، فَلَا تَظَالَمُوا » ( 1 ) ، وَيَقُولُ : إِنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ بِالْعَقْلِ . وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ ظُلْمٌ ، وَلَمْ يُخِلَّ بِوَاجِبٍ ، فَقَدْ فَعَلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَعَ هَذَا لَمْ يَخْلُقْ مَا تَحْصُلُ بِهِ هَذِهِ الْمَصَالِحُ الْمَقْصُودَةُ مِنَ الْمَعْصُومِ . فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَصَالِحُ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ خَلْقِهِ ، وَهِيَ لَمْ تَحْصُلْ ، لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ خَلْقُهُ وَاجِبًا ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ . وَإِنْ كَانَتْ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِخَلْقِهِ وَخَلْقِ أُمُورٍ أُخْرَى ، حَتَّى يَحْصُلَ بِالْمَجْمُوعِ الْمَطْلُوبُ ، فَهُوَ لَمْ يَخْلُقْ ذَلِكَ الْمَجْمُوعَ ، سَوَاءٌ كَانَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا مِنْهُ ، أَوْ لَمْ يَخْلُقْ بَعْضَهُ . وَالْإِخْلَالُ بِالْوَاجِبِ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، فَلَزِمَ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ خَلْقُ الْمُوجِبِ لِهَذِهِ الْمَطَالِبِ ؛ وَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْلُقَ مَعْصُومًا لَا يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يَخْلُقَهُ ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ . وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا . فَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ وُجُودِهِ بَاطِلٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ . وَإِنْ قِيلَ : إِنَّ الْمَطْلُوبَ يَحْصُلُ بِخَلْقِهِ وَبِطَاعَةِ الْمُكَلَّفِينَ لَهُ .
هامش
( 1 ) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1 / 136