بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا " . قَالُوا : وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : " مَجَالِسُ الذِّكْرِ » " ( 1 ) . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ : " « مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ » " ( 2 ) ; فَإِنَّ هَذَا كَانَ أَعْظَمَ مَجَالِسِ الذِّكْرِ .
وَالْمُنْكِرُونَ لِرُؤْيَتِهِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ تُنْكِرُ هَذِهِ اللَّذَّةَ ، وَقَدْ يُفَسِّرُهَا مَنْ يَتَأَوَّلُ ( 3 ) الرُّؤْيَةَ بِمَزِيدِ الْعِلْمِ عَلَى لَذَّةِ الْعِلْمِ بِهِ ، كَاللَّذَّةِ الَّتِي فِي الدُّنْيَا بِذِكْرِهِ ، لَكِنْ تِلْكَ أَكْمَلُ .
وَهَذَا قَوْلُ مُتَصَوِّفَةِ الْفَلَاسِفَةِ وَالنُّفَاةِ ، كَالْفَارَابِي ، وَكَأَبِي حَامِدٍ ، وَأَمْثَالِهِ ، فَإِنَّ مَا فِي كُتُبِهِ مِنَ " الْإِحْيَاءِ " وَغَيْرِهِ مِنْ لَذَّةِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ هُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى ( 4 ) ، [ وَالْفَلَاسِفَةُ تُثْبِتُ اللَّذَّةَ الْعَقْلِيَّةَ ، وَأَبُو نَصْرٍ الْفَارَابِيُّ
هامش
( 1 ) الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5 / 194 ( كِتَابُ الدَّعَوَاتِ ، بَابٌ مِنْهُ ) ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ) وَالْحَدِيثُ فِي الْمُسْنَدِ ( ط . الْحَلَبِيِّ ) 3 / 150
( 2 ) الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْبُخَارِيِّ 2 / 61 ( كِتَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، بَابُ فَضْلِ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ ) ، وَهُوَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي : الْبُخَارِيِّ 3 / 23 ( كِتَابُ فَضَائِلِ الْمَدِينَةِ ، بَابٌ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى . . . ) وَزَادَ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي 8 / 121 ( كِتَابُ الرِّقَاقِ ، بَابٌ فِي الْحَوْضِ ) 9 / 105 ( كِتَابُ الِاعْتِصَامِ ، بَابُ مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . . ) ، سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ 5 / 376 - 377 ( كِتَابُ الْمَنَاقِبِ ، بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الْمَدِينَةِ ) ، وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ وَالْمُوَطَّأِ وَالْمُسْنَدِ .
( 3 ) ن : مَنْ يُنْكِرُ .
( 4 ) يَتَكَلَّمُ الْغَزَالِيُّ عَلَى لَذَّةِ النَّظَرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي " الْإِحْيَاءِ " 14 / 62 - 76 فَيَقُولُ : 14 " 62 اعْلَمْ أَنَّ اللَّذَّاتِ تَابِعَةٌ لِلْإِدْرَاكَاتِ " ، وَيُفَصِّلُ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ النُّقْطَةِ ، ثُمَّ يَقُولُ 14 / 64 : " وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْعِلْمَ لَذِيذٌ ، وَأَنَّ أَلَذَّ الْعُلُومِ الْعِلْمُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَبِصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَتَدْبِيرِهِ فِي مَمْلَكَتِهِ مِنْ مُنْتَهَى عَرْشِهِ إِلَى تُخُومِ الْأَرَضِينَ . فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ لَذَّةَ الْمَعْرِفَةِ أَقْوَى مِنْ سَائِرِ اللَّذَّاتِ أَعْنِي لَذَّةَ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ . إِلَخْ ثُمَّ يَقُولُ 14 / 70 : " اعْلَمْ أَنَّ الْمُدْرَكَاتِ تَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَدْخُلُ فِي الْخَيَالِ . . . وَإِلَى مَا لَا يَدْخُلُ فِي الْخَيَالِ ، كَذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَكُلُّ مَا لَيْسَ بِجِسْمٍ ، كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَغَيْرِهِمَا . . إِلَى أَنْ يَقُولَ 14 / 71 " وَوَافَى اسْتِحْقَاقَ الْجَنَّةِ ، وَذَلِكَ وَقْتٌ مُبْهَمٌ . . ، لِأَنَّ فِيهِ يَتَجَلَّى الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، فَيَتَجَلَّى لَهُ تَجَلِّيًا يَكُونُ انْكِشَافُ تَجَلِّيهِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا عَلِمَهُ كَانْكِشَافِ تَجَلِّي الْمِرْآةِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا تَخَيَّلَهُ ، وَهَذِهِ الْمُشَاهَدَةُ وَالتَّجَلِّي هِيَ الَّتِي تُسَمَّى رُؤْيَةٌ . . " .