الْمِحْنَةِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِقَوْلٍ أَوِ ابْتَدَعَ قَوْلًا ، بَلْ لِأَنَّ السُّنَّةَ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً مَعْرُوفَةً قَبْلَهُ عَلِمَهَا وَدَعَا إِلَيْهَا وَصَبَرَ عَلَى مَنِ امْتَحَنَهُ لِيُفَارِقَهَا ( 1 ) ، وَكَانَ الْأَئِمَّةُ قَبْلَهُ ( 2 ) قَدْ مَاتُوا قَبْلَ الْمِحْنَةِ ، فَلَمَّا وَقَعَتْ مِحْنَةُ الْجَهْمِيَّةِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ فِي أَوَائِلِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ ( 3 ) - عَلَى عَهْدِ الْمَأْمُونِ وَأَخِيهِ الْمُعْتَصِمِ ثُمَّ الْوَاثِقِ - وَدَعَوُا النَّاسَ إِلَى التَّجَهُّمِ وَإِبْطَالِ صِفَاتِ اللَّهِ
هامش
( 1 ) ب : عَلَى مَا امْتُحِنَ بِهِ لِيُفَارِقَهَا ; أ : عَلَى مَا امْتَحَنَهُ لِيُفَارِقَهَا .
( 2 ) ب ، أ : قَبْلَ .
( 3 ) ع : فِي أَوَّلِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ . وَفِي ( ع ) فَوْقَ عِبَارَةِ " فِي أَوَّلِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ " إِشَارَةٌ إِلَى الْهَامِشِ حَيْثُ كُتِبَ التَّعْلِيقُ التَّالِي : " قُلْتُ : وَالْعَجَبُ أَنَّ الشَّارِحَ ابْنَ تَيْمِيَّةَ مَعَ تَبَحُّرِهِ وَتَتَبُّعِهِ وَإِحَاطَتِهِ بِأَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ أَخْطَأَ بِهَذَا ، إِذِ التَّجَهُّمُ كَانَ أَقْدَمَ مِنْ هَذَا التَّارِيخِ بِكَثِيرٍ . وَكَانَ مِنْ وِلَادَةِ إِمَامِنَا أَبِي حَنِيفَةَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَوَفَاتِهِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ ، وَقَدِ اشْتُهِرَ مَذْهَبُ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ التِّرْمِذِيِّ فِي عَهْدِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَتَصَدَّى الْمُنَاظَرَةَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْضُ مُتَّبِعِي جَهْمٍ وَالْمُوَافِقَةُ مَعَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَظَنِّي أَنَّهُ فَشَا هَذَا الْمَذْهَبُ فِي أَوَاخِرِ الْمِائَةِ الْأُولَى ، فَمَذْهَبُ الْخَوَارِجِ وَالِاعْتِزَالِ ظَهَرَا وَبَعْضُ الصَّحَابَةِ فِي الْحَيَاةِ ، مِثْلُ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ ، حَتَّى تَصَدَّى لِرَدِّ الْخَوَارِجِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَتَصَدَّى لِرَدِّ الِاعْتِزَالِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا . فَبَعْدَ مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ فَشَا هَذَا الْمَذْهَبُ ، لَعَلَّ ذَلِكَ سَنَةَ سِتِّينَ ، إِذْ ظَهَرَ لَهُ أَشْيَاعٌ وَأَتْبَاعٌ حَتَّى تَصَدَّى الْمُنَاظَرَةَ وَالْمُوَافَقَةُ مَعَ الْإِمَامِ بَعْضُ مُتَّبِعِيهِ ، حَتَّى ذُكِرَ فِي الطَّبَقَاتِ أَنَّ وَاحِدَةً مِنَ النِّسْوَةِ مِنْ شِيعَتِهِ تَصَدَّتْ لِإِلْزَامِ الْإِمَامِ ادِّعَاءَ الِاسْتِقَامَةِ لِمَذْهَبِ جَهْمٍ وَفَسَادَ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ ، فَأَظْهَرَتْ تَشْنِيعَاتٍ قَبِيحَةً عَلَى وَجْهِ الْإِمَامِ ، وَنُسِبَتْ إِيَّاهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِلَى الْعَظَائِمِ . وَغَايَةُ الْكَلَامِ مِنْ طَرَفِ الشَّارِحِ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ مُوَافِقَةٌ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ لَهُمْ ، مَعَ مَا يُخَالِفُهُمْ مُخَالَفَةً بَيِّنَةً فِي الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ ، وَكَذَا يُخَالِفُهُمْ فِي أَنَّ أَفْعَالَهُ تَعَالَى مُعَلَّلَةٌ بِالْأَغْرَاضِ ، إِذِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى الْجَبْرِ الْمَحْضِ وَعَلَى نَفْيِ الْعِلَلِ وَالْأَغْرَاضِ فِي أَفْعَالِهِ تَعَالَى " . قُلْتُ : وَابْنُ تَيْمِيَّةَ يَقُولُ إِنَّ الْجَهْمِيَّةَ حَدَثَتْ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ وَإِنَّ أَوَّلَ الْجَهْمِيَّةِ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ ( الْمَقْتُولُ نَحْوَ سَنَةِ 118 ) وَإِنَّمَا صَارَ لِلْجَهْمِيَّةِ ظُهُورٌ وَشَوْكَةٌ فِي أَوَائِلِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ . وَانْظُرْ كَلَامَهُ فِي " دَرْءِ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ " 5 / 244 - 245 .