تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج السنة النبوية — صفحة 569

مساهمون:

ص٥٦٩
الرَّبَّ مُرَكَّبٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ وَلَا مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ . وَقَدْ تَنَازَعَ النُّظَّارُ فِي الْأَجْسَامِ الْمَشْهُودَةِ : هَلْ هِيَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ جَوَاهِرَ أَوْ مِنْ أَجْزَاءٍ ، أَوْ لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ . فَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْمَخْلُوقَ لَيْسَ مُرَكَّبًا لَا مِنْ هَذَا وَلَا هَذَا ، فَالْخَالِقُ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ مُرَكَّبًا . وَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْمَخْلُوقَ مُرَكَّبٌ ، فَهُوَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَنْفِيَ التَّرْكِيبَ عَنِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ ، وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ ، وَأَدِلَّتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ . وَإِمَّا أَنْ يُثْبِتَ تَرْكِيبَهُ مِنْ هَذَا وَهَذَا ، وَهُوَ قَوْلٌ سَخِيفٌ . فَكِلَا الْقَوْلَيْنِ - النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ - ضَعِيفٌ لِضَعْفِ الْأَصْلِ الَّذِي اشْتَرَكُوا فِيهِ . وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِنْ مَحَارَاتِ كَثِيرٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ فِي صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ وَالْخَالِقِ . مِثَالُ ذَلِكَ الثَّمَرَةُ ، كَالتُّفَّاحَةِ وَالْأُتْرُجَّةِ ( 1 ) لَهَا لَوْنٌ وَطَعْمٌ وَرِيحٌ ، وَهَذِهِ صِفَاتٌ قَائِمَةٌ بِهَا ، وَلَهَا أَيْضًا حَرَكَةٌ . فَمِنَ النُّظَّارِ مَنْ قَالَ : صِفَاتُهَا لَيْسَتْ أُمُورًا زَائِدَةً عَلَى ذَاتِهَا ، وَيَجْعَلُ لَفْظَ " التُّفَّاحَةِ " يَتَنَاوَلُ هَذَا كُلَّهُ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : بَلْ صِفَاتُهَا زَائِدَةٌ عَلَى ذَاتِهَا . وَهَذَا فِي التَّحْقِيقِ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ ، فَإِنْ عَنَى بِذَاتِهَا مَا يَتَصَوَّرُهُ الذِّهْنُ مِنَ الذَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ صِفَاتِهَا زَائِدَةٌ عَلَى هَذِهِ الذَّاتِ . وَإِنْ عَنَى بِذَاتِهَا الذَّاتَ الْمَوْجُودَةَ فِي الْخَارِجِ ، فَتِلْكَ مُتَّصِفَةٌ بِالصِّفَاتِ ، لَا تَكُونُ ذَاتًا مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ مُتَّصِفَةً بِصِفَاتِهَا اللَّازِمَةِ لَهَا .
هامش
( 1 ) فِي " الْمُعْجَمِ الْوَسِيطِ " ( نَشْرَ مَجْمَعِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ ) : " الْأُتْرُجُّ شَجَرٌ يَعْلُو ، نَاعِمُ الْأَغْصَانِ وَالْوَرَقِ وَالثَّمَرِ ، وَثَمَرُهُ كَاللَّيْمُونِ الْكَبِيرِ ، وَهُوَ ذَهَبِيُّ اللَّوْنِ ، ذَكِيُّ الرَّائِحَةِ ، حَامِضُ الْمَاءِ " . وَفِي اللِّسَانِ : " وَاحِدَتُهُ تُرُنْجَةٌ وَأُتْرُجَّةٌ . . وَفِي الْحَدِيثِ : نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ الْمُتَرَّجِ ، هُوَ الْمَصْبُوغُ بِالْحُمْرَةِ صَبْغًا مُشْبَعًا " .