قُلْتُ لَهُمْ : أَخْبِرُونِي عَنِ الظُّلْمِ مَا هُوَ ؟ قَالُوا : التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ . قُلْتُ : فَلِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ .
وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ ] ( 1 ) .
هامش
( 1 ) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ ( ب ) ، ( أ ) ، ( ن ) ، ( م ) . وَأَمَامَ آخِرِ هَذَا الْكَلَامِ يُوجَدُ فِي هَامِشِ نُسْخَةِ ( ع ) تَعْلِيقٌ طَوِيلٌ هَذَا نَصُّهُ : " يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ طَائِفَةً مِنَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ يَقُولُونَ : إِنَّ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِهِ إِنَّمَا يَحْسُنُ إِذَا كَانَ عَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ ، وَإِذَا كَانَ خَارِجًا عَنْ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ يَكُونُ سَفَهًا يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ ، وَظَنِّي أَنَّ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِالْعِلَلِ وَالْأَسْبَابِ وَالْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ لَا يَقُولُ : إِنَّ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِهِ يَحْسُنُ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، فَالْقَائِلُ بِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ يَحْسُنُ لَا بُدَّ وَأَنْ لَا يَقُولَ بِالْعِلَلِ وَالْأَسْبَابِ وَالْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ ، كَالْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فَهُمْ قَائِلُونَ بِالْمَشِيئَةِ الْمَحْضَةِ ، حَتَّى فَسَّرُوا الْحِكْمَةَ بِمَا يَقَعُ عَلَى قَصْدِ فَاعِلِهِ ، وَالسَّفَهَ بِمَا لَا يَقَعُ عَلَى قَصْدِهِ لِعِلَّةٍ . وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ بِالْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ وَالْعِلَلِ وَالْأَسْبَابِ مِثْلَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ يَحْذُو حَذْوَهُمْ فَلَيْسَتِ الْحِكْمَةُ عِنْدَهُمْ مُفَسَّرَةً كَذَلِكَ ، بَلْ هِيَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ ، أَوْ مَا لَهُ نَفْعٌ لِلْفَاعِلِ أَوْ لِغَيْرِهِ . وَكَذَلِكَ مَنْ يَقُولُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ مِثْلَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ يَقُولُونَ بِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِهِ إِنَّمَا يَكُونُ حَسَنًا إِذَا كَانَ مُوَافِقًا عَلَى قَضِيَّةِ الْعَقْلِ ، فَهُمْ لَا يُجَوِّزُونَ عَقْلًا تَعْذِيبَ الْمُطِيعِ وَتَنْعِيمَ الْعَاصِي ، وَكَذَا لَا يُجَوِّزُونَ الْعَفْوَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ عَقْلًا . وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ التَّحْسِينَ وَالتَّقْبِيحَ مِنَ اللَّهِ ، فَلَوْ حَسَّنَ مَا قَبَّحَهُ وَقَبَّحَ مَا حَسَّنَهُ فَلَهُ ذَلِكَ - مِثْلَ الْأَشْعَرِيِّ وَأَضْرَابِهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ - فَكُلُّ ذَلِكَ فِي التَّجْوِيزِ الْعَقْلِيِّ ، وَلَقَدْ كَانَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ ، مَعَ أَنَّهُمَا مِنْ عُظَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ ، لَمْ يَقُولَا بِمَا قَالَهُ الْمَاتُرِيدِيَّةِ مِنَ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ ، بَلْ قَالَا بِمَا قَالَ بِهِ الْأَشْعَرِيُّ مِنَ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ . وَقَدْ قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ : إِنَّ الْأَشْعَرِيَّ يُجَوِّزُ الْمُؤَاخَذَةَ عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ وَأَثَرِهِ وَلَا إِيجَادِهِ ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ لَا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ بَلْ يَقُولُونَ بِامْتِنَاعِهِ ، فَفِعْلُ الْعَبْدِ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ عِنْدَهُمْ ، بَلْ مِنَ اللَّهِ وَمِنَ الْعَبْدِ مَعًا ، حَتَّى يَصِحَّ التَّنْعِيمُ وَالتَّعْذِيبُ . وَقَدْ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ - مَعَ أَنَّهُ شَافِعِيٌّ - أَطَمَّ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ فِي " النَّظَّامِيَّةِ " : إِنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ مِنَ الْعَبْدِ وَحْدَهُ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي إِثْبَاتِهِ قَوَاقِعَ وَقَوَادِحَ عَلَى قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ وَتَهْجِينِهِ ، مَعَ ذِكْرِهِ فِي " الْإِرْشَادِ " مِثْلَ قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ ، وَادَّعَى أَنَّهُ مِمَّا يَدِينُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ، وَهُوَ عَجِيبٌ مِنَ الْإِمَامِ ، وَلَقَدْ أَنْكَرَ صَاحِبُ " الْمَقَاصِدِ " ذَلِكَ الْقَوْلَ مِنَ الْإِمَامِ لِاغْتِرَارِهِ بِقَوْلِهِ فِي " الْإِرْشَادِ " وَلِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ لِرِسَالَةِ الْإِمَامِ الْمَوْسُومَةِ بِالنَّظَّامِيَّةِ لِعِلَّةٍ ( ؟ ) وَلَقَدْ صَرَّحَ تِلْمِيذُهُ فِي شَرْحِهِ لِلْإِرْشَادِ بِكَوْنِ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلًا أَخِيرًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ ، وَقَصَدَ تَأْيِيدَهُ وَتَهْجِينَ قَوْلِهِ فِي " الْإِرْشَادِ " ، وَالْإِمَامُ الرَّازِيُّ أَيْضًا نَقَلَ عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ ذَلِكَ ، وَكَذَا الشَّهْرَسْتَانِيُّ فِي " الْمِلَلِ " .