فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يُقَالُ : يُثِيبُ الطَّائِعَ لِئَلَّا يَكُونَ ظُلْمًا ( 1 ) .
[ فَإِنَّ الْمُمْتَنِعَ لِذَاتِهِ الَّذِي لَا يَكُونُ مَقْدُورًا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ ، فَأَيُّ شَيْءٍ كَانَ مَقْدُورًا وَفُعِلَ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا عِنْدَ هَؤُلَاءِ ، وَهَؤُلَاءِ يُجَوِّزُونَ أَنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ الْعَبْدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِلَا ذَنْبٍ ، كَمَا يُجَوِّزُونَ تَعْذِيبَ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ وَمَجَانِينَهُمْ بِلَا ذَنْبٍ ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقْطَعُ بِدُخُولِ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ النَّارَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُجَوِّزُهُ وَيَتَوَقَّفُ فِيهِ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ يَقْطَعُونَ بِذَلِكَ وَيَنْقُلُونَهُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَهُوَ خَطَّاءٌ عَلَى أَحْمَدَ ، بَلْ نُصُوصُ أَحْمَدَ الْمُتَوَاتِرَةُ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ مُطَابَقَةٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ .
وَهَؤُلَاءِ إِنَّمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ لِأَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْهُمْ فِي بَعْضِ أَجْوِبَتِهِ فَأَجَابَ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : " « اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ » " . فَظَنَّ هَؤُلَاءِ أَنَّ أَحْمَدَ أَجَابَ بِحَدِيثٍ « رُوِيَ عَنْ خَدِيجَةَ أَنَّهَا سَأَلَتِ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : " إِنَّهُمْ فِي النَّارِ " ، فَقَالَتْ : بِلَا عَمَلٍ ؟ فَقَالَ : " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ » . وَهَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ( 2 ) ، وَمَنْ هُوَ دُونَ أَحْمَدَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ يَعْرِفُ هَذَا فَضْلًا عَنْ مِثْلِ أَحْمَدَ .
هامش
( 1 ) فِي ( م ) : يُثِيبُ الْمُطِيعَ . وَفِي ( ب ) ( فَقَطْ ) ظَالِمًا . وَبَعْدَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ يُوجَدُ كَلَامٌ سَاقِطٌ مِنْ ( ب ) ، ( أ ) ، ( ن ) ، ( م ) وَيَنْتَهِي السَّقْطُ فِي ص 309 .
( 2 ) لَمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْوِيًّا عَنْ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَلَكِنِّي وَجَدْتُ حَدِيثًا قَرِيبًا مِنْهُ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي 3 / 196 فِي شَرْحِهِ لِأَحَادِيثِ بَابِ " مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ " فَقَالَ : " وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاذٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ ، فَسَأَلَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَ مَا اسْتَحْكَمَ الْإِسْلَامُ فَنَزَلَ ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) قَالَ : هُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ ، أَوْ قَالَ : فِي الْجَنَّةِ . وَأَبُو مُعَاذٍ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ وَهُوَ ضَعِيفٌ " . وَقَدْ تَكَلَّمَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ( الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ، ج [ 0 - 9 ] ، ق [ 0 - 9 ] ، ص [ 0 - 9 ] 00 - 101 ) عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ وَأَوْرَدَ أَقْوَالَ الْأَئِمَّةِ فِيهِ ، وَكُلُّهَا عَلَى تَضْعِيفِهِ مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ أَبُو مُعَاذٍ لَيْسَ يَسْوَى فَلْسًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ . وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ ( فَتْحِ الْبَارِي 3 / 195 ) حَدِيثًا آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ بِنَفْسِ الْمَعْنَى : " وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ وِلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ : فِي الْجَنَّةِ . وَعَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ ، قَالَ : فِي النَّارِ . فَقَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُدْرِكُوا الْأَعْمَالَ ؟ قَالَ : رَبُّكِ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، لَوْ شِئْتِ أَسْمَعْتُكِ تَضَاغِيَهُمْ فِي النَّارِ " . وَعَلَّقَ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : " وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا لِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ أَبَا عَقِيلٍ مَوْلَى بُهَيَّةَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ " . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ فِي تَجْرِيدِ التَّمْهِيدِ ، ص 322 ، وَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ : وَأَبُو عَقِيلٍ هَذَا صَاحِبُ بُهَيَّةَ لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ " . وَانْظُرْ تَرْجَمَةَ أَبِي عَقِيلٍ يَحْيَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ فِي : الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ، ج [ 0 - 9 ] ، ق [ 0 - 9 ] ، ص [ 0 - 9 ] 89 - 190 ; لِسَانِ الْمِيزَانِ 6 / 767 . وَوُجِدْتُ فِي الْمُسْنَدِ ( ط . الْحَلَبِيِّ ) 6 / 208 جُزْءًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَفِي سَنَدِهِ : عَنْ أَبِي عَقِيلٍ يَحْيَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ بُهَيَّةَ عَنْ عَائِشَةَ .