الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُمْ لَا يُوجِبُونَ طَاعَةَ ( 1 ) الْإِمَامِ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ ، بَلْ لَا يُوجِبُونَ طَاعَتَهُ إِلَّا فِيمَا تَسُوغُ طَاعَتُهُ فِيهِ فِي الشَّرِيعَةِ ، فَلَا يُجَوِّزُونَ طَاعَتَهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ إِمَامًا عَادِلًا ( 2 ) ، وَإِذَا ( 3 ) أَمَرَهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَأَطَاعُوهُ : مِثْلَ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِإِقَامَةِ ( 4 ) الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالصِّدْقِ وَالْعَدْلِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا أَطَاعُوا اللَّهَ ، وَالْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ إِذَا أَمَرَ بِمَا هُوَ طَاعَةٌ لِلَّهِ لَمْ تَحْرُمْ طَاعَةُ اللَّهِ وَلَا يَسْقُطْ وُجُوبُهَا لِأَجْلِ أَمْرِ ذَلِكَ الْفَاسِقِ بِهَا ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا تَكَلَّمَ بِحَقٍّ لَمْ يَجُزْ تَكْذِيبُهُ وَلَا يَسْقُطْ وُجُوبُ اتِّبَاعِ الْحَقِّ لِكَوْنِهِ قَدْ قَالَهُ فَاسْقٌ ، فَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يُطِيعُونَ وُلَاةَ الْأُمُورِ مُطْلَقًا ، إِنَّمَا يُطِيعُونَهُمْ فِي ضِمْنِ طَاعَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( 5 ) .
كَمَا قَالَ تَعَالَى : { أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 59 ] ، فَأَمَرَ بِطَاعَةِ اللَّهِ مُطْلَقًا وَأَمَرَ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ ; لِأَنَّهُ لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِطَاعَةِ اللَّهِ { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 80 ] ، وَجَعَلَ طَاعَةَ أُولِي الْأَمْرِ دَاخِلَةً فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : { وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } ( 6 ) وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ طَاعَةً ثَالِثَةً ; لِأَنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ لَا يُطَاعُ طَاعَةً مُطْلَقَةً إِنَّمَا ( 7 ) يُطَاعُ فِي الْمَعْرُوفِ .
هامش
( 1 ) أ ، ب : لَا يُجَوِّزُونَ .
( 2 ) ن ، م ، وَ : عَدْلًا .
( 3 ) أ ، ب : فَإِذَا .
( 4 ) أ ، ب : بِإِقَامِ .
( 5 ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : زِيَادَةٌ فِي ( أ ) ، ( ب ) .
( 6 ) سَاقِطَةٌ مِنْ ( أ ) ، ( ب ) .
( 7 ) ن ، م ، و : لَا يُطَاعُ مُطْلَقًا إِنَّمَا .