مَنِ احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِالْقَدَرِ أَمْرٌ مُسْتَقِرٌّ فِي فِطَرِ جَمِيعِ النَّاسِ وَعُقُولِهِمْ مَعَ إِقْرَارِ جَمَاهِيرِهِمْ ( 1 ) بِالْقَدَرِ ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ صَلَاحُ حَالِهِمْ وَلَا بَقَاؤُهُمْ فِي الدُّنْيَا إِذَا مَكَّنُوا كُلَّ أَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ مِنْ مَفَاسِدِهِمْ وَيَحْتَجَّ بِالْقَدَرِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ( 2 ) أَنَّ الْمُحْتَجِّينَ بِالْقَدَرِ عَلَى الْمَعَاصِي إِذَا طَرَدُوا قَوْلَهُمْ كَانُوا أَكْفَرَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَهُمْ شَرٌّ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ ( 3 ) .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّ الْأُمُورَ الْمَقْدُورَةَ بِالِاتِّفَاقِ إِذَا كَانَ فِيهَا فَسَادٌ يَحْسُنُ رَدُّهَا وَإِزَالَتُهَا بَعْدَ وُقُوعِهَا ( 4 ) ، كَالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ بِالِاتِّفَاقِ مُرَادٌ لِلَّهِ ، وَمَعَ هَذَا يَحْسُنُ مِنَ الْإِنْسَانِ أَنْ يَمْنَعَ وُجُودَهُ بِالِاحْتِمَاءِ وَاجْتِنَابِ أَسْبَابِهِ ، وَيَحْسُنُ مِنْهُ السَّعْيُ فِي إِزَالَتِهِ بَعْدَ حُصُولِهِ ، وَفِي هَذَا ( 5 ) إِزَالَةُ مُرَادِ اللَّهِ .
وَإِنْ قِيلَ : إِنَّ قَطْعَ السَّارِقِ يَمْنَعُ مُرَادَ اللَّهِ كَانَ شُرْبُ الدَّوَاءِ لِزَوَالِ الْمَرَضِ مَانِعًا ( 6 ) لِمُرَادِ اللَّهِ ، وَكَذَلِكَ دَفْعُ ( 7 ) السَّيْلِ الْآتِي مِنْ صَبَبٍ ، وَالنَّارِ الَّتِي تُرِيدُ أَنْ تَحْرِقَ الدُّورَ ، وَإِقَامَةُ الْجِدَارِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ، كَمَا أَقَامَ الْخَضِرُ ذَلِكَ الْجِدَارَ . وَكَذَلِكَ إِزَالَةُ الْجُوعِ الْحَاصِلِ بِالْأَكْلِ وَإِزَالَةُ الْبَرْدِ الْحَاصِلِ ( 8 ) بِالِاسْتِدْفَاءِ ، وَإِزَالَةُ الْحَرِّ بِالظِّلِّ .
هامش
( 1 ) أ ، ب : جَمِيعِهِمْ .
( 2 ) ع : وَبَيَّنَّا .
( 3 ) أ ، ب : بِالْقَدَرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( 4 ) أ ، ب : يَحْسُنُ رَدُّهُ وَإِزَالَتُهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ .
( 5 ) أ ، ب : وَفِي هَذِهِ .
( 6 ) ع : مَنْعًا .
( 7 ) دَفْعُ : زِيَادَةٌ فِي ( ب ) فَقَطْ .
( 8 ) الْحَاصِلِ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ع ) .