وُجُودُ الْأَفْلَاكِ وَغَيْرِهَا ، وَهَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ مَشْهُودَةٌ عَيَانًا ، وَهُمْ يُسَلِّمُونَ هَذَا ، وَيَقُولُونَ بِأَنَّهَا مَعْلُولٌ عِلَّةٌ قَدِيمَةٌ ، وَهُوَ مُوجِبٌ بِالذَّاتِ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ مُوجِبُهُ .
وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْلُومًا بِالْعَقْلِ الصَّرِيحِ وَهُمْ يُوَافِقُونَ عَلَيْهِ ، بَلْ هُوَ أَصْلُ قَوْلِهِمْ ، قِيلَ لَهُمْ : فَمَا يَسْتَلْزِمُ الْحَوَادِثَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَصْدُرَ عَنْ مُوجِبٍ بِالذَّاتِ ; لِأَنَّ الْحَوَادِثَ تَحْدُثُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ( 1 ) ، وَمَا يَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا لَا تَكُونُ أَجْزَاؤُهُ قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً ، فَلَا تَكُونُ صَادِرَةً عَنْ مُوجِبٍ بِالذَّاتِ ، [ فَامْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ الْحَوَادِثُ صَادِرَةً عَنْ مُوجِبٍ بِالذَّاتِ ] ( 2 ) ، وَامْتَنَعَ صُدُورُ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ بِدُونِ الْحَوَادِثِ اللَّازِمَةِ لَهُ ; لِأَنَّ وُجُودَ الْمَلْزُومِ بِدُونِ اللَّازِمِ مُمْتَنِعٌ . فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْفَلَكُ قَدِيمًا أَزَلِيًّا ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : كَانَ خَالِيًا عَنِ الْحَوَادِثِ فِي الْأَزَلِ ثُمَّ حَدَّثَتْ فِيهِ ; لِأَنَّهُ يُقَالُ حِينَئِذٍ : فَلَا بُدَّ ( 3 ) لِتِلْكَ الْحَوَادِثِ مِنْ سَبَبٍ ، فَالْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي غَيْرِهَا ، فَإِنْ جَازَ أَنْ يَحْدُثَ بِدُونِ سَبَبٍ حَادِثٍ ، أَمْكَنَ ذَلِكَ فِي الْفَلَكِ ، وَبَطَلَتْ حُجَّتُهُمْ ، وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِلَا مُرَجِّحٍ ، وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ سَبَبٍ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وَدَوَامُ الْحَوَادِثِ ، وَأَنَّ الْفَلَكَ وَكُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ لَمْ يَزَلْ مُقَارِنًا لِلْحَوَادِثِ ( 4 ) ، وَكُلُّ مُمْكِنٍ قَارَنَ الْحَوَادِثَ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ صَادِرًا عَنْ مُوجِبٍ بِالذَّاتِ ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا .
هامش
( 1 ) ع : لِأَنَّ الْحَوَادِثَ لَا تَحْدُثُ إِلَّا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ .
( 2 ) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ ( ن ) ، ( م ) ، ( ع ) .
( 3 ) ن ، ع : لِأَنَّهُ يُقَالُ : فَحِينَئِذٍ لَا بُدَّ .
( 4 ) ن ، م ، ع : لِلْحَادِثِ .