وَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَلْزَمُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْعَبْدَ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى أَفْعَالِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ ، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلُ إِمَامٍ مَعْرُوفٍ وَلَا طَائِفَةٍ مَعْرُوفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ السُّنَّةِ ( 1 ) ، بَلْ وَلَا مِنْ طَوَائِفِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ ، إِلَّا مَا يُحْكَى ( 2 ) عَنِ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَغُلَاةِ الْمُثْبِتَةِ أَنَّهُمْ سَلَبُوا الْعَبْدَ قُدْرَتَهُ ، وَقَالُوا : إِنَّ حَرَكَتَهُ كَحَرَكَةِ الْأَشْجَارِ بِالرِّيَاحِ ، إِنْ صَحَّ النَّقْلُ عَنْهُمْ ( 3 ) .
وَأَشَدُّ الطَّوَائِفِ قُرْبًا مِنْ هَؤُلَاءِ هُوَ الْأَشْعَرِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ ( 4 ) أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يُثْبِتُ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً مُحْدَثَةً وَاخْتِيَارًا ، وَيَقُولُ إِنَّ الْفِعْلَ كَسْبٌ لِلْعَبْدِ ، لَكِنَّهُ يَقُولُ : لَا تَأْثِيرَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ فِي إِيجَادِ الْمَقْدُورِ .
فَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ : إِنَّ هَذَا الْكَسْبَ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْأَشْعَرِيُّ غَيْرُ مَعْقُولٍ . وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ فَاعِلٌ لِفِعْلِهِ حَقِيقَةً ( 5 ) ، وَلَهُ قُدْرَةٌ وَاخْتِيَارٌ ، وَقُدْرَتُهُ مُؤَثِّرَةٌ فِي مَقْدُورِهَا ، كَمَا تُؤَثِّرُ الْقُوَى وَالطَّبَائِعُ ( 6 ) وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ وَالْأَسْبَابِ .
هامش
( 1 ) أ ، ب : مِنَ الطَّوَائِفِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ .
( 2 ) ن : مَا حُكِيَ .
( 3 ) عَنْهُمْ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( أ ) ، ( ب ) .
( 4 ) الْفُقَهَاءِ مِنْ : زِيَادَةٌ فِي ( ن ) .
( 5 ) م فَقَطْ : جَمِيعَهُ .
( 6 ) ب ( فَقَطْ ) : الْقُوَى الطَّبَائِعُ .