وَأَسَاطِينُ الْفَلَاسِفَةِ قَبْلَ أَرِسْطُو لَمْ يَكُونُوا يَقُولُونَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ ، بَلْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِأَنَّ الْأَفْلَاكَ مُحْدَثَةٌ كَائِنَةٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ مَعَ نِزَاعٍ مُنْتَشِرٍ لَهُمْ فِي الْمَادَّةِ - فَالْمَقْصُودُ ( 1 ) هُنَا أَنَّ هَؤُلَاءِ مَعَ مَا فِيهِمْ مِنَ الضَّلَالِ لَمْ يَرْضَوْا لِأَنْفُسِهِمْ أَنْ يَجْعَلُوا الْمُمْكِنَ الَّذِي يُمْكِنُ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ قَدِيمًا أَزَلِيًّا ، بَلْ قَالُوا : إِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا مُحْدَثًا ، وَلَا رَضَوْا لِأَنْفُسِهِمْ أَنْ يَقُولُوا : إِنَّ الْمَفْعُولَ الْمَصْنُوعَ الْمُبْدَعَ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ ، وَلَا أَنَّ الْمُرَادَ الَّذِي أَرَادَ الْبَارِيُّ فِعْلَهُ هُوَ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ ، فَإِنَّ فَسَادَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ ظَاهِرٌ فِي بَدَايِهِ ( 2 ) الْعُقُولِ ، وَإِنَّمَا أَلْجَأَ إِلَيْهَا مَنْ قَالَهَا مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ مَا الْتَزَمُوهُ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُتَنَاقِضَةِ الَّتِي أَلْجَأَتْهُمْ إِلَيْهَا .
كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَلْجَأَتْهُمْ أُصُولٌ لَهُمْ فِيهَا إِلَى أَقْوَالٍ يُعْلَمُ فَسَادُهَا بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ مِثْلُ إِرَادَةٍ أَوْ كَلَامٍ لَا فِي مَحَلٍّ ، وَمِثْلُ شَيْءٍ وَاحِدٍ بِالْعَيْنِ يَكُونُ حَقَائِقَ مُتَنَوِّعَةً ( 3 ) ، وَمِثْلُ أَمْرٍ سَبَقَ ( 4 ) بَعْضُهُ بَعْضًا يَكُونُ قَدِيمَ الْأَعْيَانِ لَمْ يَزَلْ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ قَدِيمًا أَزَلِيًّا ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ .
وَمَا يَذْكُرُهُ الرَّازِيُّ ، [ وَأَمْثَالُهُ . ] ( 5 ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَغَيْرِهَا مِنْ إِجْمَاعِ الْحُكَمَاءِ كَدَعْوَاهُ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى عِلَّةِ الِافْتِقَارِ هِيَ الْإِمْكَانُ ، وَأَنَّ الْمُمْكِنَ الْمَعْلُولَ يَكُونُ قَدِيمًا أَزَلِيًّا ، فَهُوَ إِنَّمَا يَذْكُرُ مَا وَجَدَهُ فِي كُتُبِ ابْنِ سِينَا ، وَيُظَنُّ أَنَّ هَذَا إِجْمَاعُ الْفَلَاسِفَةِ .
هامش
( 1 ) ن ، م : وَالْمَقْصُودُ .
( 2 ) ن ، م ، أ : بِدَايَةِ ; ب : بَدَاهَةِ . وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ .
( 3 ) ن ، حَقَائِقَا مُتَنَوِّعَةً ; أ : حَقَائِقَ مَتْبُوعَةً .
( 4 ) أ ، ب : يَسْبِقُ .
( 5 ) وَأَمْثَالُهُ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( م ) .