تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج السنة النبوية — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
يَحْدُثُ فِيهِ الْحَوَادِثُ مَعَ الْقَوْلِ بِجَوَازِ دَوَامِهَا ، بَلْ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مُقَدِّمَاتٌ بَيِّنَةٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهَا وَفَهِمَهَا . فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنَ الْعَالَمِ أَزَلِيًّا قَدِيمًا لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مُوجِبًا بِالذَّاتِ ، وَلَوْ كَانَ فَاعِلُ الْعَالَمِ مُوجِبًا بِالذَّاتِ لَمْ يَحْدُثْ فِي الْعَالَمِ شَيْءٌ مِنَ الْحَوَادِثِ ، وَالْحَوَادِثُ فِيهِ مَشْهُودَةٌ ( 1 ) ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ ( 2 الْعَالَمِ مُوجِبًا بِذَاتِهِ ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ 2 ) ( 2 ) الْعَالَمُ قَدِيمًا ، كَمَا قَالَهُ أُولَئِكَ ( 3 ) الدَّهْرِيَّةُ ، بَلْ وَيَمْتَنِعُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُعَيَّنُ الَّذِي هُوَ مَفْعُولُ الْفَاعِلِ أَزَلِيًّا ، لَا سِيَّمَا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ فَاعِلٌ بِاخْتِيَارِهِ ، فَيَمْتَنِعُ أَنَّ يَكُونَ فِي الْعَالَمِ شَيْءٌ أَزَلِيٌّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الَّذِي هُوَ تَقْدِيرُ إِمْكَانِ الْحَوَادِثِ وَدَوَامِهَا وَامْتِنَاعِ صُدُورِ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ . وَإِذَا قِيلَ : إِنَّ فَاعِلَ الْعَالَمِ ( 4 ) قَادِرٌ مُخْتَارٌ - كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُسْلِمِينَ ، وَسَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ ، وَأَسَاطِينِ الْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ أَرِسْطُو ( 5 ) - فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ الْمُبْدِعُ مُرِيدًا لِمَفْعُولَاتِهِ حِينَ فِعْلِهِ لَهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ سُورَةِ النَّحْلِ : 40 ] . وَلَا يَكْفِي وُجُودُ إِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ تَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْمُتَجَدِّدَاتِ بِدُونِ تَجَدُّدِ إِرَادَةِ ذَلِكَ الْحَادِثِ الْمُعَيَّنِ ; لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ جَوَازُ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ .
هامش
( 1 ) ن ، م : مَشْهُورَةٌ . ( 2 ) ( 2 - 2 ) : سَاقِطٌ مِنْ ( أ ) ، ( ب ) . ( 3 ) ن ، م : هَؤُلَاءِ . ( 4 ) ن ( فَقَطْ ) : إِنَّ الْفَاعِلَ الْعَالِمَ ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ . ( 5 ) ن ، م : أَرِسْطُو .
منهاج السنة النبوية — صفحة 234 | ابن تيمية / محمد رشاد سالم