قيل لهم في الدنيا فضيحة بما أظهر الله من كذبِهِمْ ، وقيل لهم في
الدنيا خزي بأخذ الجزية منهم ، وضرب الذَلةِ والمسكَنة عَلَيْهم ، ثم عاد
عزَّ وجل في وصفهم فقال :
( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 42 )
( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ )
ويقرأ ( لِلسُّحُتِ ) جميعاً ، تأويله أن الرشَا التي يأكلونها يعاقبهم الله بها أن
يُسْحِتَهمْ بعذَابِ ، كما قال جل وعز : ( لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ ) .
ومثل هذا قوله : ( إنما يأكلون في بطونهم ناراً ) . أي يأكلون ما عاقبته
النار ، يقال سَحَته وأسْحَتَه إِذا استأصله ، وقال بعضهم سَحَتَه : اذْهَبَه قليلاً قليلاً إِلى أن استأْصله ومثل أسحته قول الفرزدق .
وعَضّ زمانٍ يا ابنَ مَرْوانَ لم يَدَعْ . . . من المالِ إِلاَّ مُسْحَتاً أَو مُجَلَّفُ
ويجوز أن يكون سحتَه وأسْحتَهُ إِذا استأصله ، كان ذلك شيئاً بعد شيء .
أَو كان دفعة واحدةً .
وقوله ( فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) .
أجمعت العلماء على أن هذه الآية تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مُخَيَّر بها في الحكم بين أهل الذَمَّةِ .
وقيل في بعض الأقاويل : إِن التخيير نسخ بقوله :
( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) .
وقوله : ( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ) . أي العَدْل .
معاني القرآن وإعرابه — صفحة 177
مساهمون: ابراهيم بن السري بن سهل ( الزجاج )
ص١٧٧