شرح
الخطأ قلنا : وجوب الضمان في الخطأ ضرورة صون الدم عن الاهدار باعتبار أنه مثل له ،
وهذا لأنه لما تعذر العقوبة وهو القصاص لعدم الجناية صير إليه لصون الدم عن الاهدر ولولا
ذلك لتخلط كثير من الناس وأدى إلى التفاني ، ولان النفس محترمة فلا تسقط حرمتها بعذر
الخاطئ كما في المال فيجب المال صيانة لها عن الاهدار ، ولا يقال وجوب القصاص لا ينافي
وجوب المال ولا العدول إليه من غير رضا الجاني ألا ترى أن رجلا لو قطع يد رجل وهي
صحيحة ويد القاطع شلاء فالمقطوع يده بالخيار إن شاء أخذ الأرش ، وإن شاء قطع يده
الشلاء . وكذا لو عفا أحد الأولياء بطل حق الباقين في القصاص ووجب لهم الدية ، ولو أنه
وجب بالجناية لما وجب بغير رضاهم لأنا نقول : إنما كان لهم ذلك لتعذر استيفاء حقهم
كاملا .
قال رحمه الله : ( لا الكفارة ) أي لا تجب الكفارة بقتل العمد . قال الشافعي رحمه الله
تعالى : تجب اعتبارا بالخطأ بل أولى لأنها شرعت تمحو الاثم وهو في العمد أكثر فكان ادعى
إلى ايجابها . ولنا أن الكفارة دائرة بين العباد والعقوبة فلا بد من أن يكون سببها أيضا دائرا
بين الخطر والإباحة لتعلق العبادة بالمباح والعقوبة المحظور وقتل العمد كبيرة محض فلا تناط به
كسائر الكبائر مثل الزنا والسرقة والربا . قال تاج الشريعة فإن قلت : يشكل بكفارة قتل صيد
المحرم فإنه كبيرة محضة ومع هذا تجب فيه الكفارة قلت : هو جناية على المحل ولهذا لو اشترك
رجلان في قتل صيد الحرم يلزم جزاء واحد ، ولو كان جناية الفعل لوجب جزآن والجناية على
المحل يستوي فيها العمل والخطأ ا ه . أقول : في الجواب بحث ، أما أولا فلانه لا يدفع
السؤال المذكور لأن مورده مضمون الدليل المزبور وهو الكفارة لا تناط بما هو كبيرة محضة لا
أصل المدعي وهو أنه لا كفارة في القتل العمد ، فإذا سلم كون قتل صيد الحرم كبيرة محضة
يلزم أن يشكل الدليل المزبور به ، سواء كان في جناية الفعل أو جناية المحل ، وكون الجناية
على المحل يستوي فيها العمد والخطأ إنما يفيد لو ورد السؤال على أصل المدعي فإنه يمكن
الجواب عنه حينئذ بأن ما قلناه في جناية الفعل دون جناية المحل وقتل صيد الحرم من قبيل
الثانية دون الأولى . وأما ثانيا فلانه قد تقرر في كتب أصول الفقه أن الكفارة جزاء الفعل من
كل الوجوه لا جزاء المحل أصلا ، فلو كان قتل صيد الحرم جناية على المحل لا جناية الفعل
لزم أن لا تصلح الكفارة لكون الكفارة جزاء الفعل من كل الوجوه لا جزاء المحل أصلا ،
ولا يمكن قياسه على الخطأ لأنه دونه في الاثم فشرعه لدفع الأدنى لا يدل على دفع الاعلى ،
ولان في قتل العمد وعيدا محكما ولا يمكن أن يقال يرتفع المأثم فيه بالكفارة مع وجود الشدة
في الوعيد بنص قاطع لا شبهة فيه ، ومن ادعى ذلك كان محكما فيه بلا دليل ، ولان الكفارة
من المقدورات فلا يجوز إثباتها بالقياس على ما عرف في موضعه ، ولان قوله تعالى فجزاؤه
جهنم الآية . كل موجبه إذ هو مذكور في سياق الجزاء للشرط فتكون الزيادة عليه نسخا ولا