تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
الاستعارة . ولم يذكروا أن الأصل فيه تشبيه بليغ ؛ فما أعلم هل ذلك لخفائه عليهم ، أو أنهم عرفوه ولم يذكروه ، وهو الأصل المقيس عليه في التشبيه ، الذي أجمع عليه المحققون من علماء البيان . وقد أوردناه نحن في كتابنا هذا في باب الاستعارة تشبهاً بالقوم ، واستناناً بسنتهم ؛ لأنهم السابقون في هذا الفن بالتصنيف ، إلا أن موضعه باب التشبيه . فاعرف ذلك . واعلم إنه قد أجمع الجمهور من العلماء على أن للاستعارة مزية وفضلاً على حقيقتها ؛ والسبب في ذلك أنك إذا قلت : ( رأيت أسداً ) كان لكلامك مزية ، لا تكون إذا قلت : ( رأيت رجلاً هو كالأسد سواء ، في الشجاعة ، وقوة القلب ، وشدة البطش ) . وليست المزية التي تثبتها لهذا الجنس على الكلام المتروك على ظاهره ، ولكنها في طريق إثباتك ، لها وتقريرك إياها ، معلومة من قرائن الأحوال ، فليست المزية في قولك : ( رأيت أسداً ) إنه دل على شجاعة زائدة ، وشدة وافرة ، بل أنك أثبت للمستعار له الشجاعة الزائدة والشدة الوافرة ، من وجه هي أبلغ وآكد ، وأوجبتها له إيجاباً هو أشد وأقوى ، لأنك أثبتها بالدلائل والشواهد . فإذا سمعتهم يقولون : إن من شأن هذه الأجناس أن تكسب المعاني نيلاً ، فإنهم لا يريدون الشجاعة والشدة وغير ذلك ، وإنما يريدون إثبات معاني هذه الكلم لمن تثبت له ، ويخبر بها عنه من طريق هو أشد وآكد . وسيأتي بيان ذلك في باب التشبيه مستوفى ، إن شاء الله . واعلم أن الاستعارة جمع بين شيئين بمعنى مشترك بينهما يكسب ( بيان ) أحدهما بالآخر ، ولا بد للاستعارة من ثلاثة أشياء : مستعار ، ومستعار منه ، ومستعار له ، فاللفظ المستعار ، قد نقل من أصل إلى فرع للإبانة . والمستعار منه والمستعار له ، لفظان حمل أحدهما على الآخر في معنى من المعاني ؛ هو حقيقي للمحمول عليه ، مجازي للمحمول . مثال ذلك قوله تعالى : ( واشتعل الرأس شيبا ) فهذا مستعار ، ومستعار منه ، ومستعار له ؛ فالمستعار هو الاشتعال ،