فهو ( فصيح ) . فلما صح لنا هذان الأمران ، ثبت لنا من مجموعها ما ادعيناه : من أن الفصاحة تخص اللفظ كما أريناك .
وأما البلاغة فلو كان أصلها في وضع اللغة ( الظهور والبيان ) كما هو أصل
الفصاحة ، لصح لك ما ذكرته من الاعتراض . وإنما أصلها في وضع اللغة ( من الوصول والانتهاء ) لا غير ، وعلى أصلك أيها المعترض فينبغي أن يكون كل ما هو على وزن ( فعيل ) مختصاً باللفظ نحو ( شرف فهو شريف ) و ( ظرف فهو ظريف ) و ( كرم فهو كريم ) وأمثال ذلك مما جرى هذا المجرى فالشرف إذا مختص باللفظ ، وكذا الظرف والكرم ، وهذا من أعجب الأشياء ، فليتأمل .
وأيضاً ، فقد بينا أن للبلاغة أو صافاً ثلاثة ، لا يسمى الكلام بليغاً إلا بمجموعها . ومتى عري من واحد منها فليس ببليغ . فالأول منها يتعلق بالمعنى ، وهو الإفادة . والثاني يتعلق باللفظ والمعنى كليهما ، وهو أن يكون اللفظ غير زائد على المعنى . والثالث يتعلق باللفظ وهو الفصاحة ، لأن الكلام لا يطلق عليه اسم البلاغة حتى يكون فصيحاً . فالفصاحة إذا شرط في البلاغة لا تتم إلا به . فلما كانت الحال كذلك وجب أن تعم البلاغة اللفظ والمعنى معاً .
وأما الفصاحة فليست كذلك ؛ لأنها محض إبانة ووضوح فقط ، وذلك يتعلق باللفظ بموجب الدليل الذي قدمنا ذكره . فتدير ما أشرنا إليه ، وتصفح مطاويه ، وفي ذلك كفاية .
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 81
مساهمون: ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
ص٨١