تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
الحروف ، وأن لا تكون الكلمة وحشية ولا متوعرة ، وغير ذلك مما أورده وذكره في كتابه . وفي هذا نظر وقفنا عليه الفكر والروية ، وذلك إنه قد جعل صفات اللفظة التي تكون بها ذات مزية وحسن هي الفصاحة ، وخالف بذلك نص العرب ، لأنهم قالوا : إن اللفظ الفصيح هو الظاهر الواضح ، ولم يقولوا : إنه المتباعد مخارج الحروف ، ولا الذي ليس وحشياً ولا متوعراً ، ولا غبر ذلك مما ذكره أبو محمد بن سنان . ولهذا تطرق إلى كلامه الخلل ، وذاك إنه نقل الفصاحة عن حقيقتها التي وضعت لها في أصل اللغة ، بأن علقها على هذه الشروط التي ذكرها ، وجعل وجودها موقوفاً على وجود تلك الشروط ، و ( إذا نقص ) بعضها لا تكون فصيحة وحقيقتها أن تكون فصيحة ، وهذا من أعجب الأشياء فليتأمل . وأيضاً فإن أبا محمد بن سنان قد ذكر في كتابه ، من جملة الأقسام الثمانية ، قسماً وهو أن لا تكون الكلمة قد عبر بها عن معنى بكره ذكره ، فإذا وردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت ، كقول عروة بن الورد : ( و ) قلت لقوم في الكنيفِ تروَّحوا . . . عشية بتنا عندما وانِ رُزّحِ قال ( الكنيف ) أصله الساتر ، ومنه قيل للترس ( كنيف ) غير إنه قد استعمل في الآبار التي تستر الحدث وشهر بها فأنا أكرهه لذلك . هذا حكاية كلام أبي محمد بن سنان الخفاجي . ولنا عليه اعتراض ، وهو أنا نقول : إذا كان قد جعل الفصاحة مقصورة على الألفاظ فكيف عاد نقص ما ادعاه بهذا القول ، فإنه إنما أنكر من هذه اللفظة التي هي الكنيف ما تضمنته من المعنى فقط . وإلا فإذا اعتبر لفظها ومخارج حروفها ، من غير نظر إلى المعنى المندرج تحتها ، لم يوجد لها قبح ولا كراهة ، لأن مخارج الحروف التي تألف منها متباعدة ، فمخرج الكاف