تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
القطب الثاني في الأشياء الخاصة وهو فنان :

الفن الأول في الفصاحة والبلاغة

اعلم أن هذا باب غامض ، متعذر على الوالج ، ومسلك وعر ، مستصعب على الناهج . ولم يزل الناس من قديم الوقت ، وهلم جراً ، يتهافتون على الخوض فيه ، والغوص عليه ، وهم مع كثرة طلبهم لمعرفته ، وتوفر حرصهم على الإحاطة به ، لا يظفرون منه إلا كنغبة طائر أو قطرة من بحر زاخر . وقد قال بعض المصنفين من العلماء : ( لم أزل منذ خدمت أهل العلم ، انظر فيما قالوه في معنى الفصاحة والبلاغة ، وأستكشف عن المعنى في ذلك ، فلا أجد إلا كالرمز والإشارة ، ولا أقف فيه على قول شاف ، ولا كلام كاف . فلما رأيت الأمر كذلك ، علمت إنه لا يكفي في معرفة هذا العلم العظيم ، الذي كان به إعجاز القرآن الكريم ، قول مهمل ، ولا كلام مجمل . بل لا تتم معرفته حتى يفصل فيه القول ، ويدل على الخصائص التي تأتي في تأليف الكلام ، ويوضح إيضاحاً جلياً من غير مغادرة لشيء من ذلك ، حتى تكون المعرفة بهذا العلم كمعرفة الصانع الحاذق ، الذي يعلم كل هدبة منسوجة من الإبريسم في الثوب الديباج ، وكل حجر من الأحجار الداخلة في البناء ، فأنك إذا نظرت إلى هذا العلم الشريف احتجت عند ذلك إلى طول مكث وتدبر ، وكثرة تأمل وتفكر ، والى همة تأبى أن تقنع إلا بأعلى المنازل ، وأسمى المراتب . ومتى جشمت
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 76 | ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي / مصطفى جواد