تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
نفسك حول هذا المرام البعيد ، وكلفتها صعود هذا المرمى النازح ، فقد أممت أمراً عظيماً ، وتعرضت لخطب جسيم ) وفقنا الله وإياكم لمواقع الصواب . ولنرجع إلى ما هو غرضنا ومهمنا من ذكر الفصاحة والبلاغة ، والكشف عن حقيقتها واختصاصهما ، فنقول : اعلم أن أصل الفصاحة في وضع اللغة : الظهور والبيان ؛ يقال : أفصح الصبح إذا بدا ضوؤه وأسفر ، وأفصح فلان عما في نفسه : إذا أظهره ، وإنما سمي اللفظ فصيحاً لأنه يبين المقصود ، ويوضح المعنى المندرج تحته . والفصاحة : اسم عام يشمل المفرد من اللفظ والمركب ، وإنما كان الأمر كذلك لأن واضع اللغة إنما وضع الألفاظ مفردة لا مركبة ، فالفصاحة شملت أولا المفردة ، وإذا شملت المفردة فمن الضرورة شمولها للمركبة ؛ لأن المركبة مجتمعة من المفردة . وكل مركب كانت أجزاؤه ذات صفة هي فيها متساوية فتلك الصفة تعمه لا محالة . واعلم أيضاً أن الفصاحة أمر إضافي كالحسن والقبح . والكلام الفصيح ليس كلاماً مخصوصاً بعينه ، بل كل من فهم كلاماً وعرفه فهو فصيح بالنسبة إليه ، ظاهر عنده ، وواضح لديه . ومما يقوي هذا القول ، أن اللفظ الذي لا نعده نحن في زماننا هذا فصيحاً ، ونكرهه مشتهراً . ولولا ذلك لما أوردوه في كلامهم ، فإن معظم أشعار العرب ومن يليهم من المحدثين مشحونة ومملوءة منه . ولو استعمل في زماننا هذا لاستنكر واستبشع ، وحكم على قائله بالجهل والتعسف . ورأينا أبا محمد بن سنان الخفاجي قد قال في كتابه : إن الفصاحة نعت للألفاظ إذا وجدت على شروط عدة ، ومتى تكاملت تلك الشروط فلا مزيد على فصاحة تلك الألفاظ . ثم إنه قسم الشروط إلى قسمين ، أحدهما يوجد في اللفظة المفردة ، والآخر يوجد في الألفاظ المركبة ، وجعل ما يختص باللفظة المفردة منقسماً إلى ثمانية أقسام ، كتباعد مخارج
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 77 | ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي / مصطفى جواد