تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
وأيضاً ، فإن أرباب النظم لو أريد حصرهم ، بل حصر أهل عصر واحد لتعذر حصول ذلك ، فكيف حصر جميعهم ؟ وليس سبب هذا إلا وعورة مسلك النثر وشرف منزلته ، وأنه لا يناله إلا الأفراد من الفضلاء ، فإن قيل : إذا كانت العرب لا تكثر من النثر ، وأكثرت من النظم ، فليس ذلك دليلاً على أن النثر أصعب من النظم بل الأمر بالعكس من ذلك ، وهو : أن النثر لما كان سهلاً عند العرب هيناً ، والنظم شاقاً عليهم مستصعباً ، عمدوا إلى الأصعب وتركوا الأسهل ؛ لأنهم إنما كان غرضهم إظهار قوتهم في البلاغة والفصاحة ، وإذا كان ذلك فيما هو أشق مسلكاً وأوعر مذهباً ، كان أدل على نمكنهم من الكلام . وأما النثر ، فما كان عندهم بمنزلة ما يرغبون فيه ، ويتنافسون عليه ؛ لسهولته عندهم ! ولهذا لم يعتنوا به ويكثروا منه ، كما فعلوا في النظم ! وأما قولك : إن القرآن الكريم ورد نثراً ، وتفضيلك النثر على النظم ، لأن الله تعالى إنما أنزل القرآن ليكون آية لرسوله صلى الله عليه وسلم ، ومعجزة على يده ، ليفحم به أولئك الفصحاء والبلغاء من العرب ، لأنهم كانوا أرباب الفصاحة والبلاغة ، وحيث كان النثر سهلاً عندهم يسيراً عليهم أنزل الله تعالى القرآن على أسلوبه ليعجزهم ، بما هو أسهل عليهم من غيره ، ليكون ذلك أعظم في الإعجاز . وأبلغ الجواب عن ذلك أنا نقول أن هذا الذي ذكرته من أن النثر ، كان أسهل على العرب من النظم ، واستدلالك عليه بقلة رغبتهم فيه ، واعتنائهم به ، فليس ذلك دليلاً لك ، بل هو دليل لنا دونك . وذاك إنه قد ثبت بإجماع منا أن العرب لم تكثر من النثر ، وأكثرت من النظم ، ومن المعلوم أن الإنسان إذا كان مكثراً من شيء أستدل بذلك على قدرته عليه ، و ( عدم ) قصوره عن الوصول إليه . ولا يقال بأن إكثاره من هذا الشيء دليل على تعذره عليه ، لأنه لو كان متعذراً عليه لما قدر على الإكثار منه ، ولذلك لا يقال أيضاً : أن تقليله من هذا الشيء دليل على سهولته عنده لما أقل منه ، وهذا مما لا يمكن النزاع فيه بحال من الأحوال . وأما قولك : إن النثر لما كان عند العرب أسهل من النظم ، أنزل الله تعالى القرآن الكريم
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 74 | ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي / مصطفى جواد