تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
شأنهم وعادتهم ، أن يعدلوا في كلامهم عن الأثقل إلى الأخف ؛ طلباً للاستحسان ، وهذا شائع عنهم ، وكثير في لغتهم ، لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه . وتراهم قد خالفوا عادتهم وعدلوا عن الأخف إلى الأثقل ، طلباً لبعد المخارج ؛ حيث هو أسهل على اللسان ، وهرباً من تقاربها ؛ حيث هو أشق وأصعب على اللسان . وذلك نحو ( الحيوان ) ألا ترى أن أصل هذه الكلمة ، بإجماع من علماء العربية : ( حييان ) لأنها من مضاعف الياء ، إلا إنه لما ثقل عليهم عدلوا به عم الياء إلى الواو ، مع علمهم بأن الواو أثقل من الياء ، لكنه لما تباعد الحرفان ساغ ذلك ؛ لأجل الاستخفاف . فلما رأينا أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد نقضوا عادتهم ، ورفضوا سنتهم ، في العدول عن الأثقل إلى الأخف ؛ طلباً لتباعد مخارج الحروف ، علمنا أن ذلك أهم عندهم ، وأكثر تقدماً في نفوسهم . وكفى بهذا دليلاً على أن تباعد المخارج أحسن تأليفاً من تقاربها ، فاعرف ذلك . واعلم أن تباعد المخارج ليس بكاف في حسن اللفظة ، ولا مقنع في جودتها ؛ فإنه قد تأتي لفظة مؤلفة من حروف متباعدة المخارج ، ولكنها تكون مبنية من حركات ثقيلة ، أو تكون وحشية ، أو غير ذلك من الصفات الذميمة ، فيعارض ذلك الوصف المحمود هذا الوصف المذموم فيذيله ويذهب به . النوع الثاني من القسم الأول من الباب الأول وهو أن لا تكون الكلمة وحشية ولا متوعرة ونعني بالوحشي : قلة الاستعمال ؛ وذلك عيب في الكلام فاحش ؛ فيجب على المؤلف اجتنابه والبعد عنه ، لأن أحسن الألفاظ ما كان مألوفاً بين أرباب هذه الصناعة ، دائراً في تأليفاتهم ، قد