تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
مكتوباً من غير تصوت به ، ولا نطق ، إذا عرضه على طبعة السليم ، وفكره المستقيم ، عرف جودة ألفاظه ، وعلم حسن تركيبها من قبحه . ولا خلطة للسمع في ذلك ولا مشاركة . فقد ثبت بهذا الدليل فساد ما ذكرته من قياس السمع على البصر ، واختلال ما أشرت إليه من ذلك . وإنما القول السديد في حسن اللفظ المتباعد المخارج ، وقبح اللفظ المتقارب المخارج ، ما سنورد هاهنا : وهو أن الفائدة في الأشياء المركبة ، إنما هي اختلاف أجزائها وتباين مفرداتها ، ليؤثر التركيب عند ذلك شيئاً لم يكن ؛ إما حسناً وإما قبحاً . فأما إذا كانت أجزاؤها مشابهاً بعضها البعض ، فإنه لا يكون لتركيبها حينئذ كبير فائدة ، وهذا مما لا نزاع فيه ؛ لوضوحه وبيانه . وحيث كانت الحال في الأشياء المركبة كذلك ، قسنا عليه تركيب مخارج الحروف . وذلك أن من المخارج ما هو مختلف ونعني بالمختلف هاهنا : المتقارب ؛ كالراء ، واللام ، والطاء ، والسين وغير ذلك ، مما يجري هذا المجري . فمتى كانت الكلمة مركبة من حروف متباعدة المخارج ، أثر التركيب فيها أثراً ؛ وهو الحسن والجودة في الغالب . ومتى كانت الكلمة مركبة من حروف متقاربة المخارج ، جاءت بخلاف ذلك في الغالب أيضاً . فإن قيل : أما قولك : إن الكلمة ، إذا ركبت من حروف متباعدة المخارج ، أثر التركيب فيها أثراً مسلم إليك ذلك . وأما تخصيصك ذلك التأثير بالحسن والجودة ، فهذا تحكم محض أنت مطالب بإثباته .