تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
وكذلك قولك في الكلمة : ( إذا تركيب من عدة حروف متقاربة المخارج ) ، ألا ترى أن مخارج الحروف جميعها ، إذا اعتبر كل واحد منها على الانفراد ، لا يوجد له حسن ولا قبح ؟ وهذا لا نزاع فيه . فمن توهم شكاً في ذلك أو لحقه أدني ارتياب ، فليعرضه ويعتبره ، منصفاً من نفسه ، فإنه يعلم صحة ما ذكرناه ، ويعرف حقيقة ما أشرنا إليه . وإذا كانت الحال كذلك ، فمن أي وجه تكسب اللفظة الجودة والحسن إذا تركبت من حروف متباعدة المخارج ؟ ومنأى وجه تكسب الرداءة والقبح ، إذا تركبت من حروف متقاربة المخارج ؟ الجواب عن ذلك ، أنا نقول : إنها اكتسبت حسناً عند تركيبها من حروف متباعدة المخارج ، واكتسبت قبحاً عند تركيبها من حروف متقاربة المخارج ؛ لأن النطق إذا أتى على مخارج حروف اللفظة ، وهي متباعدة ، ليجمعها ويؤلفها ، كان له في ذلك مهلة وأناة ؛ لأن بين المخرج إلى المخرج فسحة وبعداً ، فتجيء الحروف عند ذلك متمكنة في مواضعها ؛ غير قلقة ولا مكدودة . وإذا أتى النطق على مخارج حروف اللفظة وهي متقاربة ، ليجمعها ويركبها ، لم يخلص من مخرج إلا وقد وقع في المخرج الذي يليه ؛ لقرب ما بينها فيكاد عند ذلك يعتبر أحدهما بالآخر ، فتجيء مخارج حروف اللفظة قلقة مكدودة ، غير مستقرة في أما كنها ولهذا لم ترد العين مع الحاء ، ولا الغين مع الخاء ، ولا الطاء مع التاء ، ولا القاف مع الكاف ، ولا الذال مع الثاء ، ولا مع الظاء ؛ وذلك لقرب مخارج هذه الحروف بعضها من بعض . ومن أدل الدليل على أن المخارج المتباعدة أحسن تأليفاً من المخارج المتقاربة ، أن العرب من