هذا الكلام الغانمي بعينه ، والبابان المذكوران سواء ، لا فرق بينهما بحال من الأحوال ، والدليل على ذلك أن بيت امرئ القيس يتم معناه قبل الإتيان بقافيته . وكذلك بيت ذي الرمة . ألا ترى أن امرأ القيس لما قال :
كأن عيون الوحش حول خبائنا . . . وأرحلنا الجزع . . . . . . )
أتى بالتشبيه قبل القافية ؟ ولما احتاج إليها جاء بزيادة حسنة وهو قوله : ( لم
يثقب ) ؟ ! وهكذا ذو الرمة فإنه لما قال : -
قف العيس في أطلال مية فاسأل . . . رسوماً كأخلاق الرداء . . .
أتى بالتشبيه أيضاً قبل الإتيان بالقافية . ولما احتاج إليها أتى بزيادة حسنة ؛ وهو قوله : ( المسلسل ) .
واعلم أن أبا هلال العسكري قد سمى هذين القسمين بعينهما ( الإيغال ) .
وقال : هو أن يستوفي ( الشاعر ) معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه ثم يأتي بالمقطع فيزيد فيه معنى آخر .
وأصل ( الإيغال ) من ( أوغل في الأمر ، إذا أبعد في الذهاب فيه ) .
ثم مثل أبو هلال ذلك بقول ذي الرمة :
( قف العيس . . . . . . )
وهذا أقرب أمراً من الغانمي ، لأنه ذكره في باب واحد ، وسماه باسم واحد : ولم يذكره في باب آخر ، كما فعل الغانمي - رحمة الله - وليس الأخذ على الغانمي في ذلك مناقشة على الأسماء وإنما المناقشة له على ينتصب لا يراد علم البيان ، وتفصيل أبوابه . ويكون أحد الأبواب التي ذكرها داخلاً في الآخر ، فيذهب عليه ذلك ، ويخفى عنه ، وهو أشهر من فلق الصبح .
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 241
مساهمون: ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
ص٢٤١