البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره ، ليكون أحسن طباقاً وتلازماً . ولما كان وجه الجريح المنهزم يكون عبوساً وعينه باكية قلت ( وجهك وضاح وثغرك باسم ) لأجمع بين الأضداد في المعنى . فأعجب سيف الدولة كلامه . وأمثال ذلك كثيرة إلا أنه يحتاج الناقد لها والمميز بين جيدها ورديئها إلى فكرة صافية ، وروية زائدة .
الضرب الثاني من النوع العشرين في صحة التقسيم وفساده
اعلم أنا لم نرد بالتقسيم هاهنا ما تقتضيه القسمة العقلية كما يذهب إليه المتكلمون ؛ فإن القسمة العقلية تقتضي أشياء مستحيلة ، كما قالوا ( الجواهر لا تخلو إما أن تكون مجتمعة أو مفترقة . أو لا مجتمعة ولا مفترقة . أو مجتمعة مفترقة معاً . أو بعضها مجتمعة ، وبعضها مفترقة ) . ألا ترى أن هذه القسمة صحيحة من حيث العقل لاستيفاء الأقسام جميعها ، وإن كان من جملتها ما يستحيل وجوده ، فإن
الشيء لا يكون مجتمعاً مفترقاً في حالة واحدة ، وإنما تريد نحن بالتقسيم هاهنا ما يقتضيه المعنى ، مما يمكن وجوده ؛ وهو أن يأتي المؤلف إلى جميع أقسام الكلام المحتملة فيستوفيها ، غير تارك منها قسماً واحداً . فمن ذلك قوله تعالى ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ) فإنه لا يخلو العالم من هذه الأقسام الثلاثة : أما عاص ظالم لنفسه وإما مطيع مبارد إلى الخيرات وإما مقتصد بينهما ، وهذا من أصح التقسيمات وآكملها ، فاعرفه .
ومن هذا النحو قوله تعالى ( وكنتم أزواجاً ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون ) الآية . وأعلم أن هذه الآية مماثلة في