وَقَفْتَ وما في الموت شك لِواقف . . . كأنكَ في جفَن الردى وهو نائم
تمرُّ بك الأبطال كلمى هزيمةً . . . وَوَجهُك وَضّاحُ وثغرُكَ باسِمُ
ولقد أخذ عليه ذلك ، وقيل : لو جعل آخر البيت الثاني آخر الأول لكان أولى ؛ وحكاية أخذه عليه أنه استنشده سيف الدولة يوما قصيدته التي أولها :
( على قدر أهل العزم تأتي العزائم ) . فلما بلغ إلى قوله : ( وقفت وما في الموت شك لواقف ) البيتين قال له : وقد انتقدت عليك هذين البيتين كما أنتقد على امرئ القيس قوله :
كأني لم أركب جواداً للذَّة . . . ولم أتَبَطَّنْ كاعباً ذات خَلْخالِ
ولم أسبأ الزَّقَ الرويَّ ولم أقُلْ . . . لخيليَ كُرّي كرةً بَعْدَ إجفالِ
فبيتاك لم يلتئم شطراهما كما لم يلتئم بيتا امرئ القيس ، وكان ينبغي أن يقول :
كأني لم أركب جواداً ولم أقل لخيلي . . .
ولم أسبأ الزق الروي . . .
وكذلك ينبغي أن تقول :
وقفت وما في الموت شك لواقف . . . ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كَلْمىَ هزيمة . . . كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال المتنبي : إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا وهو أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت ، ومولانا يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعلمه الحائك ؛ لأن البزاز يعلم جملته ، والحائك يعلم تفاصيله . وإنما قرن امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد وقرن السماحة بسباء الخمر للاتصاف بالشجاعة في منازلة الأعداء ، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 217
مساهمون: ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
ص٢١٧