تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
يقتضي أن يكون ( والنهار ليبصروا فيه ) وإنما هو مراعى من جهة المعنى ، لا من حيث اللفظ ، وهكذا النظم المطبوع غير المتكلف ، لأن معنى قوله ( مبصراً ) ليبصرواً فيه طرق التقلب في الحاجات . ومن مقابلة الشيء بمثله أنه إذا ذكر المؤلف ألفاظاً تقتضي جواباً فالمرضي عندنا أن يأتي بتلك الألفاظ في الجواب من غير عدول عنها إلى غيرها مما هو في معناها ، فمن ذلك قوله تعالى ( وجزاء سيئة مثلها ) . ومما عيب في هذا الباب قول بعضهم ( من افترى ذنباً عامداً أو اكتسب جرماً قاصداً لزمه ما جناه وحاق به ما توخاه ) . والأليق أن كان قال ( لزمه ما اقترف وحاق به ما اكتسب ) ليكون أحسن طباقاً وإن كان ذلك جائزاً في الكلام من حيث إن معناه صواب ، لكنه عدول عن الأليق والأولى في هذا الباب . وأمثال هذا كثيرة فاعرفها . واعلم أن في تقابل المعاني باباً عجيب الأمر يحتاج إلى فضل تأمل وزيادة نظر وتدير ، وهو تخليص بالفواصل من الكلام المنثور ، وبالأعجاز من أبيات الشعر ، مما جاء من ذلك قوله تعالى في حق المنافقين ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون إلا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) وقوله تعالى ( وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ) ألا ترى كيف فصل الآية الأخيرة ( بيعلمون ) والآية التي قبلها ( بيشعرون ) وإنما فعل ذلك لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل يحتاج إلى نظر واستدلال ، حتى يكتسب الناظر العلم والمعرفة بذلك . وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات ، معلوم عند الناس ، خصوصاً عند العرب ، وما كان فيهم من التجارب والتعاود ، فهو كالمحسوس عندهم فلذلك قال فيه ( يشعرون ) وأيضاً فإنه لما ذكر السفه في الآية الأخيرة وهو جهل كان ذكر العلم معه أحسن طباقاً ، فقال ( لا يعلمون ) .