فقابل الضحك بالبكاء ، والحزن بالسرور في بيت واحد إلا أن في ذلك نظراً ، من حيث ترتيب التفسير ، لا من حيث المقابلة ، لأن ترتيب التفسير يقتضي أن كان قال
( فله بلا حزن ولا بمسرة ) ( بكاء يراوح بينه وضحك ) . وهذا لا كبير عيب فيه ، وإنما الأولى والأليق ما أشرنا إليه ، فاعرفه ، وسيأتي بيانه ، وقال آخر :
فلا الجودُ يفني المالَ والجدُّ مقْبلُ . . . ولا البخلُ يُبقي المال والجد مدبرُ
ألا ترى إلى هذه المقابلة البديعة التي قد أتى بها هذا الشاعر ؛ فإنه قابل الجود بالبخل ويُفْني بيُبقي ومُقبِل بمدبر ؟ وهذا الكلام هو السهل الممتنع ، الذي هو كالنجم تراه قريباً على صفحات الماء وهو بأفق السماء . ومن هذا النوع أيضاً قول البحتري :
وأمة كانَ قُبْحُ الجَور يُسخطها . . . دهراً فأصبح حُسنُ العدل يُرضيها
فقابل الحسن بالقبح ، والجور بالعدل ، والسخط بالرضى ، وذلك بديع في بابه ، فاعرفه .
وأما القسم الثاني وهو مقابلة الشيء بغيره فهو ضربان
أحدهما ما كان بين المقابل والمقابل له مناسبة وتقابل ، كقول بعضهم .
يَجْزُونَ من ظلم أهل الظُلمِ مَغْفِرةً . . . ومِنْ إساءةِ أهلِ السُّوء إحسانا
فقابل الظلم بالمغفرة ، والظلم ليس ضد المغفرة ، وإنما هو ضد العدل إلا أنه لما كانت المغفرة قريبة من العدل مناسبة له حسنت المقابلة بينها وبين الظلم ، وأمثال هذه كثيرة .
الضرب الثاني من القسم الثاني
في المقابلة وهو أن يقابل الشيء بما بينه وبينه بعد ولا مناسبة ( بينهما ) بحال من الأحوال وذلك مما لا يحسن استعماله في التأليف ، مما جاء منه قول بعضهم :
أمْ هَلْ ظعائنُ بالعلَياءِ رافِعَةٌ . . . وإنْ تكامل فيها الدَلُّ والشَنَبُ