تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
هو التماثل والتشابه ، يقال ( جانس الشيء ( الشيء ) إذ ماثله وشابهه ، ولما كان الحال كذلك ، ورأينا من الألفاظ ما يتماثل ويتشابه في صيغته وبيانه علماً أن ذلك يطلق عليه اسم ( التجانس ) . وكذلك لما رأينا من المعاني ما يتماثل ويتشابه علمنا أن ذلك أن ذلك يطلق عليه اسم ( التجانس ) . أيضاً ، فالتجانس ينقسم قسمين أحدهما تجانس في اللفظ والآخر تجانس في المعنى ، فأما التجانس في اللفظ فهو على بابه تجانس لم يجعل له اسم آخر كما جعل للتجانس في المعنى فإنه يسمى ( الاشتقاق ) أي أن أحد المعنيين مشتق من الآخر ، فهذا الموضع الذي كنا بصدد ذكره لا يليق أن نورد فيه إلا ما يختص بالمعاني ، لأنه من باب الصناعة المعنوية ، ولذلك أفردنا ( الاشتقاق ) وذكرناه هاهنا . وأما التجانس في الألفاظ . فسيأتي ذكره في باب الصناعة اللفظية . واعلم أن الاشتقاق على ضربين : صغير وكبير ، فالصغير : أن يأخذ أصلا من الأصول فيجمع بين معانيه وإن اختلفت صيغته ومبانيه ، كتركيب ( س ل م ) فأنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفه نحو ( سالم وسالم وسلمان وسلمى والسليم ) اللديغ : أطلق عليه ذلك تفاؤلاً بسلامته ، وعلى هذا جاء غيره من الأصول كقولك ( هشمتك هاشم ) و ( حاربك محارب ) و ( سالمك سالم ) و ( أصاب الأرض صيب ) لأن الصّيب هو المطر الذي يشتد صوبُه أي وقعه على الأرض ، وأمثال ذلك كثيرة ، ولهذا الضرب من الكلام رونق لا يخفى على العارف بهذه الصناعة ، فما جاء منه قول بعضهم : ( أمحلّتي سَلمى لكاظمة أسلما ) وكذلك قول الآخر وهو جرير بن عطية :
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 199 | ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي / مصطفى جواد