تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
أسوداً في المقاتلة ، وثعالب في المخادعة والمخاتلة ، وتناجد بنو تميم علينا بحملة ، فلذنا بالفرار ، واستبقنا إلى تولية الأدبار ) فإنك إنما قلت : ( وتناجد بنو تميم ) مصرحاً بذكرهم ، ولم تقل : وتناجدوا ، كما قلت : ( أقبلوا ) و ( ابتدروا ) و ( جاءوا ) للدلالة على التعجب من شجاعتهم والتعظيم لشدتهم وإقدامهم . ولا سيما وقد أضفت إلى ذلك قولك : ( لذنا بالفرار ) و ( استبقنا إلى تولية الأدبار ) فكأنك قلت : وتناجد ألئك الفرسان المشاهير ، والكماة المذكورون ، وحكلوا علينا حملة واحدة ، فولينا مديرين منهزمين . ومن هذا الباب قوله تعالى : ( أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير . قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة . . . ) . ألا ترى كيف صرح باسمه تعالى في قوله : ( ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ) . مع إبهامه مبتدئاً في قوله ( كيف بدأ الخلق ثم ينشئ النشأة الآخرة ) ؟ والفائدة في ذلك ما ذكرناه ونبهنا عليه ؛ وهو أنه لما كانت الإعادة عندهم من الأمور العظيمة والأشياء المستصبعة ، وكان صدر الكلام واقعاً معهم في البداء ، وقر رأيهم أن ذلك من الله - عز وجل - احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء ، وإذا كان الله لا يعجزه شيء هو الذي لا يعجزه الإبداء فوجب أن لا تعجزه الإعادة ؛ فللدلالة والتنبيه على عظم هذا الأمر الذي هو الإعادة أبرز اسمه - تعالى - إلى ( العبارة ) وأوقعه مبتدأ ثانياً ، فاعرف ذلك وقس عليه . وأما الثاني وهو ضد الأول فإنه يقصد به الذم كقوله تعالى : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى ، وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين ) فإنه إنما قال : ( وقال الذين كفروا )