تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
جماعة من الأئمة المشهورين في هذه الصناعة قد جعلوه بمنزلة التطويل الذي هو ضد الإيجاز . وهذا غلط فاحش . فمن جملة الأئمة الذين ذكروا ذلك ، أبو هلال العسكري صاحب كتاب الصناعتين . فإنه قال في كتابه : ( الإطناب في الكلام إنما هو بيان ، والبيان لا يكون إلا للإشباع ، وأفضل الكلام أبينه ، والإيجاز للخواص ، والإطناب يشترك فيه الخواص والعوام ، والأمر ما أطنب في الكتب السلطانية في إفهام الرعايا . وكما أن الإيجاز له موضع ، فكذلك الإطناب له موضع ، والحاجة إلى الإيجاز في موضعه ، كالحاجة إلى الإطناب في موضعه ) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( خاطبوا الناس على قدر عقولهم ) . ومن استعمل الإيجاز في موضع الإطناب أو الإطناب في موضع الإيجاز فقد أخطأ . ولا شك أن الكتب الصادرة عن السلطان في الأمور العظيمة في الفتوح والتفخيم ( في ) مواقع النعم المتجددة ، أو في الترغيب في الطاعة ، والتحذير من العصيان ، وغير ذلك ينبغي أن تكون مشبعة مستقصاة ) ، ألا ترى أن كتاب المهلب إلى الحجاج في فتح الأزارقة : ( الحمد لله الذي كفى الإسلام فقد ما سواه ، وجعل الحمد متصلاً بنعمته ، وقضى أن لا ينقطع المزيد من فضله ، حتى ينقطع الشكر من خلقه . ثم إنا وعدونا على حالين مختلفتين ، نرى فيهم ما يسرنا أكثر مما يسوؤنا ويرون فينا ما يسوؤهم أكثر مما يسرهم . فلم يزل ذلك دأبنا ودأبهم : ينصرنا الله ويخذلهم ، ويمحصنا ويمحقهم حتى بلغ الكتاب بنا وبهم أجله فقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد لله رب العالمين ) .
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 147 | ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي / مصطفى جواد