من الإيجاز ، والتكرير ، والمقابلة ، والتفسير ، وغيرهما ، مما أشرنا إليه ، فإن كل ضرب من هذه الضروب المذكورة ، إذا وصل الكلام فيه إلى حقه ، يكون إطناباً ، فذلك من أعجب
الأشياء وأطرافها . وأن كان يعني بالإشباع الزيادة على قدر ما يستحقه الكلام ويحتاج إليه ، وذلك هو التطويل بعينه ، فإنه يلزم من هذا القول ، أن التطويل في الكلام ، إذا كان واضحاً بيناً ، يكون من أفضل الكلام ، وذلك ما لا يوافق عليه ، بحال من الأحوال ، بل كان يحتاج في قوله : ( إن أفضل الكلام أبينه ) إلى قرينة أخرى ، وهو أن كان قال ( أفضل الكلام أوجزه وأبينه ) ، فإنه لو قال ذلك ، لكان قوله صواباً لا يخالف فيه ، وأما قوله ( وكما أن الإيجاز له موضع ، فكذلك الإطناب له موضع ، والحاجة إلى الإيجاز في موضعه كالحاجة إلى الإطناب في موضعه ، ومن استعمل الإيجاز في موضع الإطناب والإطناب في موضع الإيجاز فقد أخطأ ) فكأنه توهم من هذا القول ، أن الإطناب ضد الإيجاز ، وإذا كان الأمر كذلك فهو التطويل بعينه .
ومما يقوى هذا الوهم قوله أيضاً ( إن الإيجاز للخواص ، والإطناب يشترك فيه الخواص والعوام ) . وأما قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خاطبوا الناس على قدر عقولهم ) فإن كان غرضه من قول النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبة كل فريق من الناس بما يفهمونه فهذا لا يتعلق بصنف واحد من صنوف الكلام ، إطناباً كان ذلك أو إيجازاً أو غيرهما ، إذ الإفهام يشتمل على أنواع الكلام جميعها ، ومتى لم يكن الكلام مفهوماً واضح المعاني فليس عندنا محسوباً في جملة علم البيان ، ولا نعده من صناعة التأليف بشيء .
وقد يخاطب مؤلف الكلام العامة بأوحش الخطاب وأحقره ، ويفهمون من ذلك قوله ، ويعرفون خطابه . فإن الأصل في الكلام : إنما هو كشف معانيه للمخاطب وإيضاحها له ، وسواء عند ذلك خوطب به الخاصة أو العامة ، فاعرف هذا وقس عليه .
ومعنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( خاطبوا الناس على قدر عقولهم )
أي كملوهم بما يعرفونه من الألفاظ ويعتادونه بينهم من الكلام ، كما كتب عليه السلام إلى كسرى
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 149
مساهمون: ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
ص١٤٩