تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
ثواب حتى يجعل ثواب الصالحات خيراً منه ، لأن ذلك على طريقة قولهم : تحية بينهم ضرب وجيع . فكأنه قال : ثوابهم النار ثم بني عليه ( خير ثواباً ) . وفي ذلك ضرب من التهكم الذي هو أغيظ للمتهدد من أن يقال له ( عقابك النار ) . فإن قيل : فما وجه التفضيل في الخير بين مفاخرات الكفار وثواب الصالحات ؟ قلت : هذا من أوجز كلام العرب . ومثله قولهم ( الصيف أحر من الشتاء ) . أي أبلغ في حره من الشتاء في برده . وهذا جائز ، لأن الحر لا شك تتفاوت درجاته ، فيكون بعضها أشد من بعض ، وكذلك البرد أيضاً ، فتقول العرب ( الصيف أحر من الشتاء ) أي إن حر الصيف في بابه أبلغ من برد الشتاء في بابه ، مثال ذلك : أن حر الصيف قد بلغ أنهى درجاته ، بل يكون قد بقي بينه وبين نهاية البرد درجة أو درجتان ، فيكون حر الصيف بالنسبة إلى أصل الحر أبلغ من برد الشتاء بالنسبة إلى أصل البرد . وهذا مثل قولهم ( العسل أحلى من الخل ) وليس في الخل حلاوة حتى تفضل حلاوة العسل عليها ، وإنما المعنى في ذلك كالمعنى في الآية الأولى . . . وأمثال هذا كثيرة ، وقد ورد في القرآن الكريم في مواضع منه ، كقوله تعالى في سورة الفرقان : ( وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين ، دعوا هنالك ثبورا . . . ) إلى قوله ( . . . جزاء ومصيراً ) وقد علم أن جهنم ليس فيها خير حتى يجعل الجنة خيراً منها ، بل هي شر محض ، وعذاب لا خير فيه . والأصل في هذه الآية ما أشرنا إليه أولاً . . . فاعرفه إن شاء الله - تعالى - . النوع الخامس من الباب الأول من الفن الثاني في الإطناب اعلم أن هذا النوع من أنواع علم البيان ، شديد الالتباس . كثير الاعتياص وذلك أن