تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلاكة والمفلوكون — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
وكذلك إن فقده . وقد روي عن عائشة أنها فرقت في يوم مائة ألف درهم ، فقالت لها جاريتها : هلا شريت لنا بدرهم لحماً نفطر عليه ؟ فقالت : لو ذكرتني لفعلت . وذلك لأن الكاره للدنيا مشغول بالدنيا ، كما أن الراغب فيها مشغول بها ، والشغل بما سوى الله حجاب عن الله ، فالمشغول بحب نفسه مشغول عن الله والمشغول ببعض نفسه مشغول عن الله أيضا ، بل كل ما سوى الله . مثاله مثال الرقيب الحاضر في مجلس يجمع العاشق والمعشوق ، فإن التفت قلب العاشق إلى الرقيب وبغضه واستثقاله وكراهة حضوره فهو في حال اشتغال قلبه به منصرف عن التلذذ بمشاهدة معشوقه ، فكما أن النظر إلى غير المعشوق بحب شرك كذلك النظر إلى غيره ببغض شرك فيه ونقص . وأما هروب الأنبياء والأولياء والأكابر من الدنيا فذلك لأن الدنيا خداعة مدعاة إلى الشهوات والراحة في بذلها أنس بغير الله ، والأنس بغير الله بعد عن الله ، فالأنبياء والأولياء يتركون الدنيا للتشريع والتعليم والخوف على أتباعهم من أن يتشبهوا بهم مع عدم قوتهم فيهلكوا . ومن دونهم ممن لا قوة له يترك ذلك احتياطاً وحزماً ، فإن استواء الذهب والحجر في القلب عسير ومزلة قدم ، وهو حال الأنبياء وأفراد الأولياء . ويوضح لك أن المال في اليدين بدون القلب لا ينافي الزهد ، إن خزائن الأرض حملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبي بكر وعمر فأخذوها ووضعوها في مواضعها وما هربوا منها . وكان لعثمان عند خازنه يوم قتل ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم وخمسون ومائة ألف دينار ، وترك ألف بعير بالربذة ، وترك صدقات كان يتصدق بها بين أريس وخيبر ووادي القرى قيمة مائتي ألف دينار ، وكان للزبير عند وفاته خمسون ألف ألف ومائتا ألف . قال عروة : كان للزبير بمصر خطط وبالإسكندرية خطط وبالبصرة دور ، وكانت له غلات تقدم عليه من أعراض المدينة . وترك عبد الرحمن ابن عوف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة . قال ابن سيرين : كان فيما ترك ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال منه ، وترك أربع نسوة فأخرجت امرأة من ثمنها بثمانين ألفاً . قال أبو الأسود عن عروة : أوصى عبد الرحمن