تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلاكة والمفلوكون — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
على ( الجوع مدة فإن كان لا يطيقه ويضطرب عليه قلبه وتتشوش عليه عبادته لم يجز له التوكل ) - انتهى . وقد قال صلى الله عليه وسلم للأعرابي لما أهمل بعيره وقال توكلت على الله : { أعقلها وتوكل على الله } . وقال تعالى : { خذوا حذركم } وقال في كيفية صلاة الخوف : { وليأخذوا أسلحتهم } وقال { وأعدوا لهم ما استطعتم } وقال لموسى { فأسر بعبادي ليلا } والتحصن بالليل لإخفائهم عن عين العدو نوع تسبب ، واختفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار عن عين الأعداء للضرر وأخذ السلاح في الصلاة سبب مظنون . وأما الموهوم إفضاؤه دفعاً وتحصيلا كالرقبة والكي والاستقصاء في حيل المعيشة والتدبيرات الدقيقة من وجوه الاكتساب فذلك كله مناف للتوكل ، لأنه من ثمرات الحرص وحب الدنيا لا لمنافاته التوكل بالذات ، لأنا قد قدمنا أن التوكل عبارة عن دوام حسن ملاحظة القضاء والقدر في جميع الحوادث ، وهذا إنما ينافي الاستقصاء وتدقيق باختلاف اللوازم لا بالذات ، فحينئذ التوكل هو عدم الاعتماد على الأسباب مفضية كانت إلى مسبباتها بالقطع أم لا ، وأن يكون الاعتماد على خالقها ، فإن اليد والطعام وقدرة التناول مثلاً كلها من قدرة الله تعالى ، وكيف يتكل على اليد وغيرها وربما تفلج في الحال ويهلك الطعام ، أو يحدث من تناوله مرض يؤدي إلى الهلاك ، أو يتسلط على زاد المسافر غاصب أو سارق وما شاكل ذلك من الآفات ، فيجب أن يعتمد على فضل الله تعالى في دفع جميع هذه الأشياء . فقد بان واتضح مما قررناه أن ليس من شرط التوكل ترك الأسباب وإطراحها وإهمال الكسب بالبدن والتدبير بالقلب والسقوط على الأرض كالخرقة اللعى أو كلحم على وضم . فإن ذلك كله حرام في الشرع ولن يتقرب إلى الله بمحارمه . وأما الادخار فما كان منه مع فراغ القلب عن المدخر فليس من ضرورته بطلان التوك ، هكذا صرح به في الإحياء ، وأما غيره فمن انزعج قلبه بترك الادخار واضطربت نفسه وتشوشت عليه عبادته وذكره واستشرف إلى