تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلاكة والمفلوكون — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
أن الغنى وصف الحق والفقر وصف العبد وصفات الربوبية لا ينازع فيها ، معارض بأن العلم والمعرفة وصف الرب والجهل والغفلة وصف العبد فليكونا أفضل له . ثم لا شك أن الفقير القانع أفضل من الغني الحريص ، والغني المنفق ماله في الخيرات أفضل من الفقير الحريص . قال ابن دقيق العبد في شرح العمدة : الذي تقتضيه الأصول إنهما إن تساويا وحصل الرجحان بالعبادات المالية يكون الغنى أفضل ، ولا شك في ذلك وإنما النظر فيما إذا تساويا في أداء الواجب فقط وانفرد كل واحد بمصلحة ما يوفيه ، فإذا كانت المصالح متقابلة ففي ذلك نظر يرجع إلى تفسير الأفضلية ، فإن فسر الأفضل بزيادة الثواب فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضل من القاصرة ، وان كان الأفضل بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس فالذي يحصل للنفس من التطهير للأخلاق والرياضة لسوء الطباع بسبب الفقر أشرف ، فترجح الفقر . ولهذا المعنى ذهب الجمهور من الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر ، لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها وذلك مع الفقر أكثر منه مع الغني ، فكان أفضل بمعنى الثرف - هكذا قاله ابن دقيق العيد في الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } لما شكى له أن الفقراء قالوا : ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم - الحديث . فقد بان لك واتضح بالكلام في هذين المقامين أن التعلق بالأسباب لا ينافي التوكل ، وان وجود المال في اليدين لا في القلب لا ينافي الزهد ، والمقصود إلجام المفلوكين عن التعلق بالزهد أو التوكل في انزواء الدنيا عنهم جدلا مهما كانوا محتجين لا زاهدين حقيقة فإن الزاهد حقيقة لا كلام معه ، لأن الزهد كما لا ينافي المال لا يستلزمه ، وغايته أن الزهد على قسمين : قسم مع المال ، وقسم لا مع المال . فلا منافاة ولا استلزام له . الفصل الرابع في الآفات التي تنشأ من الفلاكة وتستلزمها الفلاكة وتقتضيها وهي أكثر من أن تحصى أو يحملها القلم : ( فمنها ) ضيقة العطن والنزق ، وذلك