خالقا لم يكن للذين وعوه إلى الله شافعا ، ولا بالذين ضيعوه ماحلا ، فانته بنفسك وبالمختلفين في القرآن إلى أسمائه التي سماه الله بها تكن من المهتدين { وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ، ولا تسم القرآن باسم من عندك فتكون من الضالين ، جعلنا الله وإياك من { الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ } .
وكتب بشر أيضا إلى منصور يسأله عن قول الله تعالى : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } كيف استوى ؟ فكتب إليه منصور : استواؤه غير محدود ، والجواب فيه تكلف ، ومسألتك عن ذلك بدعة ، والايمان بجملة ذلك واجب ، قَالَ الله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ } وحده ، ثم استأنف الكلام ، فقال : { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ } فنسبهم إلى الرسوخ في العلم بان قالوا لما تشابه منه عليهم { آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا } فهؤلاء هم الذين أغناهم الرسوخ في العلم عن الاقتحام على السدد المضروبة دون الغيوب ، بما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب .
فمدح اعترافهم بالعجز عن تأول ما لم يحيطوا به علما ، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم رسوخا في العلم ، فانته رحمك الله ، من العلم إلى حيث انتهي بك إليه ، ولا تجاوز ذلك إذا ما حظر عنك علمه فتكون من المتكلفين وتهلك مع الهالكين ، والسلام عليك أَخْبَرَنَا الجوهري ، قَالَ : أَخْبَرَنَا محمد بن العباس ، قَالَ : حَدَّثَنَا أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان ، قَالَ : أنشدت لأبي العتاهية في منصور بن عمار :
إن يوم الحساب يوم عسير ليس للظالمين فيه مجير
فاتخذ عدة لمطلع القبر وهول الصراط يا منصور
أَخْبَرَنِي الأزهري ، قَالَ : حَدَّثَنَا إسماعيل بن سويد ، قَالَ : حَدَّثَنَا الحسين
تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار ) — صفحة 86
مساهمون: بشار عواد معروف
ص٨٦