تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
ذَلِك وتلقي علومهم وهممهم لَهُ بِالْقبُولِ وَكَون ذَلِك الْقدر هُوَ الَّذِي اشْتهر بَينهم وتداولوها ، ثمَّ عَزِيمَة النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَلَبه من الله ، فَإِذا اجْتمعَا لَا بُد أَن ينزل الْوَحْي على حَسبه ، وَلَك عِبْرَة بِأَن الله مَا انْزِلْ كتابا إِلَّا بِلِسَان قومه وَبِمَا يفهمونه ، وَلَا ألقِي عَلَيْهِم حكما وَلَا دَلِيلا إِلَّا مِمَّا هُوَ قريب من فهمهم ، كَيفَ ومبدأ الْوَحْي اللطف ، وَإِنَّمَا اللطف اخْتِيَار أقرب مَا يُمكن هُنَاكَ للإجابة . وَقيل : " أَي الْأَعْمَال أفضل ؟ قَالَ : الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله ، قيل : ثمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : الْجِهَاد فِي سَبِيل الله ، قيل : ثمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : حج مبرور ، وَلَا اخْتِلَاف بَينه وَبَين قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فضل الذّكر " أَلا أنبئكم بِأَفْضَل أَعمالكُم ؟ " لِأَن الْفضل يخْتَلف باخْتلَاف الِاعْتِبَار ، وَالْمَقْصُود هَهُنَا بَيَان الْفضل بِاعْتِبَار تنويه دين الله وَظُهُور شَعَائِر الله ، وَلَيْسَ بِهَذَا الِاعْتِبَار بعد الْإِيمَان كالجهاد وَالْحج . قَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من حج لله فَلم يرْفث وَلم يفسق رَجَعَ كَيَوْم وَلدته أمه " وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : " الْعمرَة إِلَى الْعمرَة كَفَّارَة لما بَينهمَا وَالْحج المبرور لَيْسَ لَهُ جَزَاء إِلَّا الْجنَّة " وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : " تابعوا بَين الْحَج وَالْعمْرَة " ، أَقُول : تَعْظِيم شَعَائِر الله والخوض فِي لجة رَحْمَة الله يكفر الذُّنُوب ، وَيدخل الْجنَّة ، وَلما كَانَ الْحَج المبرور والمتابعة بَين الْحَج وَالْعمْرَة ، والإكثار مِنْهَا نِصَابا صَالحا لتعرض رَحمته أثبت لَهما ذَلِك ، وَإِنَّمَا شَرط ترك الرَّفَث وَالْفِسْق ؛ ليتَحَقَّق ذَلِك الْخَوْض ، فَإِن من فعلهمَا عرضت عَنهُ الرَّحْمَة ، وَلم تكمل فِي حَقه . وَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِن عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة " ، أَقُول : سره أَن الْحَج إِنَّمَا يفضل الْعمرَة بِأَنَّهُ جَامع بَين تَعْظِيم شَعَائِر الله واجتماع النَّاس على استنزال رَحْمَة الله دونهَا ، وَالْعمْرَة فِي رَمَضَان تفعل فعله ، فَإِن رَمَضَان وَقت تعاكس أضواء الْمُحْسِنِينَ ونزول الروحانية . وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : من ملك زادا وراحلة تبلغه إِلَى بَيت الله وَلم يحجّ فَلَا عَلَيْهِ أَن يَمُوت يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا " . أَقُول : ترك ركن من أَرْكَان الْإِسْلَام يشبه بِالْخرُوجِ عَن الْملَّة ، وَإِنَّمَا شبه تَارِك الْحَج باليهودي وَالنَّصْرَانِيّ ، وتارك الصَّلَاة بالمشرك ، لِأَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى يصلونَ ، وَلَا يحجون ، ومشركو الْعَرَب يحجون ، وَلَا يصلونَ .