وَاعْلَم أَنه كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يحكمون بالقسامة وَكَانَ أول من قضى بهَا أَبُو طَالب كَمَا بَين ذَلِك ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا وَكَانَ فِيهَا مصلحَة عَظِيمَة ، فَإِن الْقَتْل رُبمَا يكون فِي الْمَوَاضِع الْخفية والليالي الْمظْلمَة حَيْثُ لَا تكون الْبَيِّنَة
فَلَو جعل مثل هَذَا الْقَتْل هدرا لاجترأ النَّاس عَلَيْهِ ولعم الْفساد ، وَلَو أَخذ بِدَعْوَى أَوْلِيَاء الْمَقْتُول بِلَا حجَّة لادعى النَّاس على كل من يعادونه ، فَوَجَبَ أَن يُؤْخَذ بأيمان جمَاعَة عَظِيم تتقرى بهَا قَرْيَة ، وهم خَمْسُونَ رجلا ، فَقضى بهَا النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأثبتها .
وَاخْتلف الْفُقَهَاء فِي الْعلَّة الَّتِي تدار عَلَيْهَا ، فَقيل . وجود قَتِيل بِهِ أثر جِرَاحَة من ضرب أَو خنق فِي مَوضِع هُوَ فِي حفظ قوم كمحلة ، وَمَسْجِد ، وَدَار ، وَهَذَا مَأْخُوذ من قصَّة عبد الله بن سهل وجد قَتِيلا بِخَيْبَر يتشحب فِي دَمه ، وَقيل . وجود قَتِيل وَقيام لوث على أحد أَنه الْقَاتِل باخبار الْمَقْتُول أَو شَهَادَة دون النّصاب وَنَحْوه ، وَهَذَا مَأْخُوذ من قصَّة الْقسَامَة الَّتِي قضى بهَا أَبُو طَالب .
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
" دِيَة الْكَافِر نصف دِيَة الْمُسلم " أَقُول . السَّبَب فِي ذَلِك مَا ذكرنَا قبل أَنه يجب أَن يُنَوّه بالملة الإسلامية ، وَأَن يفضل الْمُسلم على الْكَافِر ، وَلِأَن قتل الْكَافِر أقل إفسادا بَين الْمُسلمين ؛ وَأَقل مَعْصِيّة ؛ فَإِنَّهُ كَافِر مُبَاح الأَصْل ينْدَفع بقتْله شُعْبَة من الْكفْر ، وَهُوَ مَعَ ذَلِك ذَنْب وخطيئة وإفساد فِي الأَرْض ، فَنَاسَبَ أَن تخفف دِيَته .
وَقضى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الاملاص بغرة عبد أَو أمة اعْلَم أَن الْجَنِين فِيهِ وَجْهَان : كَونه نفسا من النُّفُوس البشرية ، وَمُقْتَضَاهُ أَن يَقع فِي عوضه النَّفس ، وَكَونه طرفا وعضوا من أمة لَا يسْتَقلّ بِدُونِهَا وَمُقْتَضَاهُ أَن يَجْعَل بِمَنْزِلَة سَائِر الجروح فِي الحكم بِالْمَالِ ، فروعي الْوَجْهَانِ فَجعل دِيَته مَالا هُوَ أدمي وَذَلِكَ غَايَة الْعدْل .
وَأما التَّعَدِّي على أَطْرَاف الْإِنْسَان فَحكمه مَبْنِيّ على أصُول : أَحدهَا أَن مَا كَانَ مِنْهَا عمدا فَفِيهِ الْقصاص إِلَّا أَن يكون الْقصاص فِيهِ مفضيا إِلَى الْهَلَاك فَذَلِك مَانع من الْقصاص ، وَفِيه قَوْله تعال ى :
حجة الله البالغة — صفحة 239
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٢٣٩