تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
الرِّجَال فَإِن الرجل يُقَاتل الرجل ، فَكَانَت هَذِه الصُّورَة أَحَق بِإِيجَاب الْقود ؛ ليَكُون ردعا وزجرا عَن مثله . وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يقتل مُسلم لكَافِر " . أَقُول : والسر فِي ذَلِك أَن الْمَقْصُود الْأَعْظَم فِي الشَّرْع تنويه الْملَّة الحنيفية ، وَلَا يحصل إِلَّا بِأَن يفضل الْمُسلم على الْكَافِر ، وَلَا يُسَوِّي بَينهمَا . وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يُقَاد الْوَالِد بِالْوَلَدِ " أَقُول : السَّبَب فِي ذَلِك أَن الْوَالِد شفقته وافرة ، وحبه عَظِيم ، فاقدامه على الْقَتْل مَظَنَّة أَنه لم يتعمده . وَإِن ظَهرت مخايل الْعمد أَو كَانَ لِمَعْنى أَبَاحَ قَتله ، وَلَيْسَت دلَالَة هَذِه أقل من دلَالَة اسْتِعْمَال مَا لَا يقتل غَالِبا على أَنه لم يقْصد إزهاق الرّوح . وَأما الْقَتْل شبه الْعمد ، فَقَالَ فِيهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من قتل فِي عمية فِي رمي يكون فيهم بِالْحِجَارَةِ أَو جلد بالسياط أَو ضرب بعصا فَهُوَ خطأ وعقله عقل الْخَطَأ " . أَقُول : مَعْنَاهُ أَنه يشبه الْخَطَأ وَأَنه لَيْسَ من الْعمد وَأَن عقله مثل عقله فِي الأَصْل ، وَإِنَّمَا يتمايزا فِي الصّفة ، أَو أَنه لَا فرق بَينه وَبَينه فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة وَاخْتلفت الرِّوَايَة فِي الدِّيَة الْمُغَلَّظَة . فَقَوْل ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ : إِنَّهَا تكون أَربَاعًا خمْسا وَعشْرين جَذَعَة . وخمسا وَعشْرين حقة ، وخمسا وَعشْرين بنت لبون ، وخمسا وَعشْرين بنت مَخَاض ، وَعنهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَلا إِن فِي قتل الْعمد الْخَطَأ بِالسَّوْطِ أَو الْعَصَا مائَة من الْإِبِل مِنْهَا أَرْبَعُونَ خلفة فِي بطونها الأولادها ، وَفِي رِوَايَة " ثَلَاثُونَ حقة وَثَلَاثُونَ جَذَعَة وَأَرْبَعُونَ خَلفه " وَمَا صولحوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُم " . وَأما الْقَتْل الْخَطَأ فَفِيهِ الدِّيَة المخففة المخمسة عشرُون بن مَخَاض . وَعِشْرُونَ ابْن مَخَاض . وَعِشْرُونَ بنت لبون . وَعِشْرُونَ حقة وَعِشْرُونَ جَذَعَة ، وَفِي هذَيْن الْقسمَيْنِ إِنَّمَا تجب الدِّيَة على الْعَاقِلَة فِي ثَلَاث سِنِين . وَلما كَانَت هَذِه الْأَنْوَاع مُخْتَلفَة الْمَرَاتِب روعي فِي ذَلِك التَّخْفِيف والتغليظ من وُجُوه : مِنْهَا أَن سفك دم الْقَاتِل لم يحكم بِهِ إِلَّا فِي الْعمد . وَلم يَجْعَل فِي الباقيين إِلَّا الدِّيَة ، وَكَانَ فِي شَرِيعَة الْيَهُود الْقصاص لَا غير : فَخفف الله على هَذِه الْأمة ، فَجعل جَزَاء الْقَتْل