( الْمَظَالِم )
اعْلَم أَن من أعظم الْمَقَاصِد الَّتِي قصدت ببعثة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام دفع الْمَظَالِم من بَين للنَّاس ، فان تظالمهم يفْسد حَالهم ، ويضيق عَلَيْهِم ، وَلَا حَاجَة إِلَى شرح ذَلِك ،
والمظالم على ثَلَاثَة أَقسَام : تعد على النَّفس ، وتعد على أَعْضَاء النَّاس ، وتعد على أَمْوَال النَّاس ، فاقتضت حِكْمَة من الله أَن يزْجر عَن كل نوع من هَذِه الْأَنْوَاع بزواجر قَوِيَّة تردع النَّاس عَن أَن يَفْعَلُوا ذَلِك مرّة أُخْرَى ، وَلَا يَنْبَغِي أَن تجْعَل هَذِه الزواجر على مرتبَة وَاحِدَة فان الْقَتْل لَيْسَ كَقطع الطّرف ؛ وَلَا قطع الطّرف كاستهلاك المَال .
وَأَن الدَّوَاعِي الَّتِي تنبعث مِنْهَا هَذِه الْمَظَالِم لَهَا مَرَاتِب ؛ فَمن البديهي أَن تعمد الْقَتْل لَيْسَ كالتساهل المنجر إِلَى الْخَطَأ : فأعظم الْمَظَالِم الْقَتْل ، وَهُوَ أكبر الْكَبَائِر ، أجمع عَلَيْهِ أهل الْملَل قاطبتهم ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ طَاعَة النَّفس فِي دَاعِيَة لغضب ، وَهُوَ أعظم وُجُوه الْفساد فِيمَا بَين النَّاس ، وَهُوَ تَغْيِير خلق الله وَهدم بُنيان الله ومناقضة مَا أَرَادَ الْحق فِي عباده من انتشار نوع الْإِنْسَان
وَالْقَتْل على ثَلَاثَة أَقسَام : عمد ، وَخطأ ، وَشبه عمد ، فالعمد هُوَ الْقَتْل الَّذِي يقْصد فِيهِ إزهاق روحه بِمَا يقتل غَالِبا جارحا أَو مُثقلًا ،
وَالْخَطَأ مَا لَا يقْصد فِيهِ إِصَابَته ، فَيُصِيبهُ فيقتله كَمَا إِذا وَقع على إِنْسَان فَمَاتَ أَو رمى شَجَرَة ، فَأَصَابَهُ ، فَمَاتَ .
وَشبه الْعمد أَن يقْصد الشَّخْص بِمَا لَا يقتل غَالِبا ، فيقتله كَمَا إِذا ضرب بِسَوْط أَو عَصا فَمَاتَ ،
وَإِنَّمَا جعل على ثَلَاثَة أَقسَام لما أَشَرنَا من قبل أَن الزاجر يَنْبَغِي أَن يكون بِحَيْثُ يُقَاوم الداعية والمفسدة ، وَلَهُمَا مَرَاتِب ، فَلَمَّا كَانَ الْعمد أَكثر فَسَادًا وَأَشد دَاعِيَة وَجب أَن يغلظ فِيهِ بِمَا يحصل زِيَادَة الزّجر ، وَلما كَانَ الْخَطَأ أقل فَسَادًا وأخف دَاعِيَة وَجب أَن يُخَفف من جَزَائِهِ ، واستنبط النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَين الْعمد وَالْخَطَأ نوعا آخر لمناسبة مِنْهُمَا وَكَونه برزخا بَينهمَا ، فَلَا يَنْبَغِي أَن يدْخل فِي أَحدهمَا .
فالعمد فِيهِ قَوْله تَعَالَى :
حجة الله البالغة — صفحة 234
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٢٣٤