( تربية الْأَوْلَاد والمماليك )
اعْلَم أَن النّسَب أحد الْأُمُور الَّتِي جبل على محافظتها الْبشر ، فَلَنْ ترى إنْسَانا فِي إقليم من الأقاليم الصَّالِحَة لنشء النَّاس إِلَّا وَهُوَ يحب أَن ينْسب إِلَى أَبِيه وجده ، وَيكرهُ أَن يقْدَح فِي نسبته إِلَيْهِمَا ، اللَّهُمَّ إِلَّا لعَارض من دناءة النّسَب أَو غَرَض من دفع ضرّ أَو جلب نفع وَنَحْو ذَلِك ، وَيجب أَيْضا أَن يكون لَهُ أَوْلَاد ينسبون إِلَيْهِ ويقومون بعده مقَامه ، فَرُبمَا اجتهدوا أشد الِاجْتِهَاد ، وبذلوا طاقاتهم فِي طلب الْوَلَد ، فَمَا اتّفق طوائف النَّاس على هَذِه الْخصْلَة إِلَّا لِمَعْنى فِي جبلتهم ، ومبنى شرائع الله على إبْقَاء هَذِه الْمَقَاصِد الَّتِي تجْرِي بجري الجبلة ، وتجري فِيهَا المناقشة والمشاحة والاستيفاء لكل ذِي حق حَقه مِنْهَا وَالنَّهْي عَن التظالم فِيهَا ، فَلذَلِك وَجب أَن يبْحَث الشَّارِع عَن النّسَب ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر "
فَقيل : مَعْنَاهُ الرَّجْم ، وَقيل : الخيبة .
أَقُول : كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يَبْتَغُونَ الْوَلَد بِوُجُوه كَثِيرَة لَا تصححها قوانين الشَّرْع ، وَقد بيّنت بعض ذَلِك عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا ، فَلَمَّا بعث النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سد هَذَا الْبَاب ، وَخيَّب العاهر ، وَذَلِكَ لِأَن من الْمصَالح الضرورية الَّتِي لَا يُمكن بَقَاء نوع الْإِنْسَان إِلَّا بهَا اخْتِصَاص الرجل بامرأته حَتَّى يسد بَاب الازدحام على الموطوأة رَأْسا ، وَمن مُقْتَضى ذَلِك أَن يخيب من عصى هَذِه السّنة الراشدة ، وابتغى الْوَلَد من غير اخْتِصَاص ؛ إرغامه لأنفه وازدراء بأَمْره وزجرا لَهُ أَن يقْصد مثل ذَلِك ، وَإِلَى هَذَا الْإِشَارَة فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام للعاهر الْحجر : " العاهر للحجر " إِن أُرِيد معنى الخيبة كَمَا يُقَال : بِيَدِهِ التُّرَاب ، وَبِيَدِهِ الْحجر ، وَأَيْضًا فَإِذا تزاحمت الْحُقُوق ، وَادّعى كل لنَفسِهِ وَجب أَن يرجح من يتَمَسَّك بِالْحجَّةِ الظَّاهِرَة المسموعة عِنْد جَمَاهِير النَّاس وَالَّذِي يتَمَسَّك بِمَا يزِيد اللأئمة عَلَيْهِ ، وَيفتح بَاب ضرب الْحَد ، أَو يعْتَرف فِيهِ بِأَنَّهُ عصى الله ، وَكَانَ مَعَ ذَلِك أَمر خفِيا لَا يعلم إِلَّا فَمن جِهَة قَوْله : من حق ذَلِك أَن يهجر ويخمل ، وَقد اعْتبر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثل هَذَا الْمَعْنى حَدِيث قَالَ فِي قصَّة اللّعان :
" إِن كذبت عَلَيْهِ فَهُوَ أبعد لَك " وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي قَوْله : " وللعاهر الْحجر " إِن أُرِيد معنى الرَّجْم بِالْحِجَارَةِ .
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" من ادّعى إِلَى غير أَبِيه وَهُوَ يعلم أَنه غير أَبِيه فالجنة عَلَيْهِ حرَام " .
أَقُول : من النَّاس من يقْصد مَقَاصِد دنية ، فيرغب عَن أَبِيه ، وينتسب إِلَى غَيره ، وَهُوَ
حجة الله البالغة — صفحة 222
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٢٢٢