تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
ويطلبه الْعُقَلَاء ، وَهُوَ من خَواص نوع الانسان ، وَمِمَّا امتاز بِهِ من سَائِر الْحَيَوَان ، وَهِي الْمصلحَة المرعية من بَاب الِاسْتِبْرَاء . وَمِنْهَا التنويه بفخامة أَمر النِّكَاح حَيْثُ لم يكن أمرا يَنْتَظِم إِلَّا بِجمع رجال ، وَلَا يَنْفَكّ إِلَّا بانتظار طَوِيل ، وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ بِمَنْزِلَة لعب الصّبيان يَنْتَظِم ، ثمَّ يفك فِي السَّاعَة . وَمِنْهَا أَن مصَالح النِّكَاح لَا تتمّ حَتَّى يوطنا أَنفسهمَا على إدامة هَذَا العقد ظَاهرا ، فان حدث حَادث يُوجب فك النظام لم يكن بُد من تَحْقِيق صُورَة الإدامة فِي الْجُمْلَة بِأَن تَتَرَبَّص مُدَّة تَجِد لتربصها بَالا ، وتقاسي لَهَا عناء . وعدة الْمُطلقَة ثَلَاثَة قُرُوء ، فَقيل : هِيَ الإطهار ، وَقيل : هِيَ الْحيض ، وعَلى أَنَّهَا طهر ، فالسر فِيهِ أَن الطُّهْر مَحل رَغْبَة كَمَا ذكرنَا ، فَجعل تكرارها عدَّة لَازِمَة ليتروى المتروي ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صفة الطَّلَاق : " فَتلك الْعدة الَّتِي أَمر الله بِالطَّلَاق فِيهَا " وعَلى أَنَّهَا حيض فالحيض هُوَ الأَصْل فِي معرفَة عدم الْحمل . فَإِن لم تكن من ذَوَات الْحيض لصِغَر أَو كبر ، فتقوم ثَلَاثَة اشهر مقَام ثَلَاثَة قُرُوء لِأَنَّهَا مظنتها وَلِأَن بَرَاءَة الرَّحِم ظَاهِرَة ، وَسَائِر الْمصَالح تحقق بِهَذِهِ الْمدَّة . وَفِي الْحَامِل انْقِضَاء الْحمل لِأَنَّهُ معرف بَرَاءَة رَحمهَا . والمتوفى عَنْهَا زَوجهَا تَتَرَبَّص أَرْبَعَة أشهر وَعشرا ، وَيجب عَلَيْهَا الْإِحْدَاد فِي هَذِه الْمدَّة ، وَذَلِكَ لوجوه : أَحدهَا أَنَّهَا لما وَجب عَلَيْهَا أَن تَتَرَبَّص ، وَلَا تنْكح ، وَلَا تخْطب فِي هَذِه الْمدَّة حفظا لنسب الْمُتَوفَّى عَنْهَا اقضى ذَلِك فِي حكمه السياسة أَن تُؤمر بترك الزِّينَة لِأَن الزِّينَة تهيج الشَّهْوَة من الجابيين ، وهيجانها فِي مثل هَذِه الْحَالة مفْسدَة عَظِيمَة . وَأَيْضًا فان من حسن الْوَفَاء أَن تحزن على فَقده ، وَتصير تفلة شعثة ، وَأَن تحد عَلَيْهِ ، فَذَلِك من حسن وفائها ، وَتَحْقِيق معنى قصر بصرها عَلَيْهِ ظَاهرا . وَلم تُؤمر الْمُطلقَة بذلك لِأَنَّهَا تحْتَاج إِلَى أَن تتزين ، فيرغب زَوجهَا فِيهَا ، وَيكون ذَلِك مَعُونَة فِي جمع مَا افترق من شملها ، وَكَذَلِكَ اخْتلف الْعلمَاء فِي الْمُطلقَة ثَلَاثًا هَل تتزين أم لَا ؟ فَمن نَاظر إِلَى الْحِكْمَة ، وَمن نَاظر إِلَى عُمُوم لفظ الْمُطلقَة . وَإِنَّمَا عين فِي عدتهَا أَربع أشهر وَعشرا لِأَن الْأَرْبَعَة أشهر هِيَ ثَلَاث أربعينات ، وَهِي