تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
والسر فِي جعل الطَّلَاق ثَلَاثًا لَا يزِيد عَلَيْهَا أَنَّهَا أول حد كَثْرَة ، وَلِأَنَّهُ لَا بُد من ترو ، وَمن النَّاس لَا يتَبَيَّن لَهُ الْمصلحَة حَتَّى يَذُوق فقدا ، وأصل التجربة وَاحِدَة ، ويكملها ثِنْتَانِ . وَأما اشْتِرَاط النِّكَاح بعد الثَّالِثَة فلتحقيق معنى التَّحْدِيد والإنهاء ، وَذَلِكَ أَنه لَو جَازَ رُجُوعهَا إِلَيْهِ من غير تخَلّل نِكَاح الآخر كَانَ ذَلِك بِمَنْزِلَة الرّجْعَة ، فَإِن نِكَاح الْمُطلقَة إِحْدَى الرجعتين ، وَأَن الْمَرْأَة مَا دَامَت فِي بَيته وَتَحْت يَده وَبَين أظهر أَقَاربه يُمكن أَن يغلب على رأيها ، وتضطر إِلَى رضَا مَا يسولون لَهَا فَإِذا فَارَقْتهمْ ، ذاقت الْحر والقر ، ثمَّ رضيت بعد ذَلِك فَهُوَ حَقِيقِيَّة الرِّضَا ، وَأَيْضًا فَفِيهِ إذاقة الْفَقْد ومعاقبة على اتِّبَاع دَاعِيَة الضجر من غيرتروي مصلحَة مهمة أَيْضا : فَفِيهِ إعظام المطلقات الثَّلَاث بَين أَعينهم وَجعلهَا بِحَيْثُ لَا يُبَادر إِلَيْهَا إِلَّا من وَطن نَفسه على ترك الطمع فِيهَا إِلَّا بعد ذل وإرغام أنف لَا مزِيد عَلَيْهِ . وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لامْرَأَة رِفَاعَة حِين طَلقهَا ، فَبت طَلاقهَا ، فنكحت زوجا غَيره : أَتُرِيدِينَ أَن ترجعي إِلَى رِفَاعَة ؟ قَالَت : نعم ، قَالَ : لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك " . أَقُول : إِنَّمَا شَرط تَمام النِّكَاح بذوق الْعسيلَة ليتَحَقَّق معنى التَّحْدِيد الَّذِي ضرب عَلَيْهِم فَإِنَّهُ لَوْلَا ذَلِك لاحْتِمَال رجل باجراء صِيغَة النِّكَاح على اللِّسَان ، ثمَّ يُطلق فِي الْمجْلس ، وَهَذَا مناقضة لفائدة التَّحْدِيد . وَلعن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحَلّل والمحلل لَهُ . أَقُول : لما كَانَ من النَّاس من ينْكح لمُجَرّد التَّحْلِيل من غير أَن يقْصد مِنْهَا تعاونا فِي الْمَعيشَة ، وَلَا يتم بذلك الْمصلحَة الْمَقْصُودَة ، وَأَيْضًا فَفِيهِ وقاحة وإهمال غيرَة وتسويغ إزدحام على الموطوأة من غير أَن يدْخل فِي تضاعيف المعاونة نهى عَنهُ . وطلق عبد الله بن عمر رَضِي الله عَنهُ امْرَأَته وَهِي حَائِض . وَذكر ذَلِك للنَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فتغيظ ، وَقَالَ : ليراجعها ، ثمَّ ليمسكها حَتَّى تطهر ، ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر ، فَإِن بدا لَهُ أَن يطلقهَا فَلْيُطَلِّقهَا طَاهِرا قبل أَن يَمَسهَا " . أَقُول : السِّرّ فِي ذَلِك أَن الرجل قد يبغض الْمَرْأَة بغضة طبيعية ، وَلَا طَاعَة لَهَا مثل كَونهَا حَائِضًا ، وَفِي هَيْئَة رثَّة وَقد ، يبغضها لمصْلحَة يحكم بإقامتها الْعقل السَّلِيم مَعَ وجود