تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لقد هَمَمْت أَن أنهِي عَن الغيلة فَنَظَرت فِي الرّوم فَارس فَإِذا هم يغيلون أَوْلَادهم فَلَا تضر أَوْلَادهم " وَقَالَ : " لَا تقتلُوا أَوْلَادكُم سرا فان الغيل يدْرك الْفَارِس ، فيدعثره " . أَقُول : هَذَا إِشَارَة إِلَى كَرَاهِيَة الغيلة من غير تَحْرِيم ، وَسَببه أَن جماع الْمُرْضع يفْسد لَبنهَا ، وينفه الْوَلَد ، وَضَعفه فِي أول نمائه يدْخل فِي جذر مزاجه ، وَبَين النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنه أَرَادَ التَّحْرِيم لكَونه مَظَنَّة الْغَالِب للضَّرَر ، ثمَّ أَنَّهَا لما استقرأ وجد أَن الضَّرَر غير مطرد وَأَنه لَا يصلح للمظنة حَتَّى يدار عَلَيْهِ التَّحْرِيم ، وَهَذَا الحَدِيث أحد دَلَائِل مَا أَثْبَتْنَاهُ من أَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يجْتَهد وَأَن اجْتِهَاده معرفَة الْمصَالح والمظان وإدارة التَّحْرِيم والكراهية عَلَيْهَا . قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِن من أشر النَّاس عِنْد الله منزلَة الرجل يُفْضِي إِلَى امْرَأَته ، وتفضي هِيَ إِلَيْهِ ثمَّ ينشر سرها " أَقُول : لما كَانَ السّتْر وَاجِبا وَإِظْهَار مَا أسبل عَلَيْهِ السّتْر قلبا لموضوعه ومناقضا لغرضه كَانَ من مُقْتَضَاهُ أَن ينْهَى عَنهُ ، وَأَيْضًا فاظهار مثل هَذِه مجانة ووقاحة ، وَاتِّبَاع مثل هَذِه الدَّوَاعِي يعد النَّفس لتشبح الألوان الظلمانية فِيهَا . وَكَانَت الْملَل مُخْتَلفه فِيمَا يفعل فِي بالحائض ، فَمن متعمق كاليهود يمْنَع مؤاكلتها ومضاجعتها ، وَمن متهاون كالمجوس يجوز الْجِمَاع وَغَيره ، وَلَا يجد للْحيض بَالا وكل ذَلِك إفراط وتفريط ، فراعت الْملَّة المصطفوية التَّوَسُّط فَقَالَ : " اصنعوا كل شَيْء إِلَّا النِّكَاح " وَذَلِكَ لمعان مِنْهَا أَن جماع الْحَائِض لَا سِيمَا فِي فَور حَيْضَتهَا ضار اتّفق الْأَطِبَّاء على ذَلِك ، وَمِنْهَا أَن مُخَالطَة النَّجَاسَة خلق فَاسد تمجه الطبيعة السليمة ، وَيقرب من الشَّيَاطِين وَفِي مثل الِاسْتِنْجَاء حَاجَة ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود من ذَلِك إِزَالَتهَا ، وَفِي جماع الْحَائِض الغمس فِي النَّجَاسَة ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { قل هُوَ أَذَى فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض } . وَاخْتلفت الرِّوَايَة فِيمَا دون الْجِمَاع ، فَقيل : يَتَّقِي شعار الدَّم ، وَقيل : يَتَّقِي مَا تَحت الْإِزَار ، وعَلى الْوَجْهَيْنِ هُوَ الدَّوَاعِي ، وَجَاء الْأَمر لمن عصى الله ، فجامع الْحَائِض أَن يتَصَدَّق بِدِينَار أَو نصف دِينَار وَهَذَا لَيْسَ بمجمع عَلَيْهِ ، وسر الْكَفَّارَة مَا ذكرنَا مرَارًا .