الأَصْل فِي تَحْرِيم الْأَنْكِحَة الَّتِي كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يتعاملونها ، كالاستبضاع وَغَيره على مَا بَينته عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا ، فَإِذا كَانَت فتاة مُؤمنَة بِاللَّه مُحصنَة فرجهَا ، واشتدت الْحَاجة إِلَى نِكَاحهَا لمخافة الْعَنَت وَعدم طول الْحر خف الْفساد وَكَانَت الضرورة والضرورات تبيح الْمَحْظُورَات .
وَمِنْهَا كَون الْمَرْأَة مَشْغُولَة بِنِكَاح مُسلم أَو كَافِر ، فَإِن أصل الزِّنَا هُوَ الازدحام على الموطوءه من غير اخْتِصَاص أَحدهمَا بهَا وَغير قطع طمع الآخر فِيهَا ، وَلذَلِك قَالَ الزُّهْرِيّ رَحْمَة الله عَلَيْهِ : وَيرجع ذَلِك إِلَى أَن الله تَعَالَى حرم الزِّنَا ، وَأصَاب الصحابة رَضِي الله عَنْهُم سَبَايَا ، وتحرجوا من غشيانها من أجل أَزوَاجهنَّ من الْمُشْركين ، فَأنْزل الله تَعَالَى :
{ وَالْمُحصنَات من النِّسَاء إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم } .
أَي فهن حَلَال من جِهَة أَن السَّبي قَاطع لطعمه ، وَاخْتِلَاف الدَّار مَانع من الازدحام عَلَيْهَا ، ووقوعها فِي سَهْمه مُخَصص لَهَا بِهِ .
وَمِنْهَا كَون الْمَرْأَة زَانِيَة مكتسبة بِالزِّنَا ، فَلَا يجوز نِكَاحهَا حَتَّى تتوب ، وتقلع عَن فعلهَا ذَلِك ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى :
{ والزانية لَا ينْكِحهَا إِلَّا زَان أَو مُشْرك } .
والسر فِيهِ أَن كَون الزَّانِيَة فِي عصمته وَتَحْت يَده وَهِي بَاقِيَة على عَادَتهَا من الزِّنَا ديوسية وانسلاخ عَن الْفطْرَة السليمة ، وَأَيْضًا فإنه لَا يَأْمَن من أَن تلْحق بِهِ ولد غَيره .
وَلما كَانَت الْمصلحَة من تَحْرِيم الْمُحرمَات لَا تتمّ إِلَّا بِجعْل التَّحْرِيم أمرا لَازِما وخلقا جبليا بِمَنْزِلَة الْأَشْيَاء الَّتِي يستنكف مِنْهَا طبعا ، وَجب أَن يُؤَكد شهرتها وشيوعها وَقبُول النَّاس لَهَا بإقامة لائمة شَدِيدَة على إهمال تَحْرِيمهَا ، وَذَلِكَ أَن تكون السّنة قتل من وَقع على ذَات ، ورحم محرم مِنْهُ بِنِكَاح أَو غَيره ، وَلذَلِك بعث رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى من تزوج بامرأة أَبِيه أَن يُؤْتى بِرَأْسِهِ .
( آدَاب الْمُبَاشرَة )
اعْلَم أَن الله تَعَالَى لما خلق الْإِنْسَان مدنيا بالطبع ، وتعلقت إِرَادَته بِبَقَاء النَّوْع بالتناسل وَجب أَن يرغب الشَّرْع فِي التناسل أَشد رَغْبَة ، وَينْهى عَن قطع النَّسْل والأسباب المفضية إِلَيْهِ أَشد نهي ، وَكَانَ أعظم أَسبَاب النَّسْل وأكثرها وجودا وأفضاها إِلَيْهِ وأحثها عَلَيْهِ هُوَ شَهْوَة الْفرج ، فإنها كالمسلط عَلَيْهِم مِنْهُم يقهرهم على ابْتِغَاء النَّسْل ، أشاءوا أم أَبَوا ،
حجة الله البالغة — صفحة 206
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٢٠٦