وتوهم الْمَنَافِع فِيهَا لم يمل إِلَيْهَا الطَّبْع ، وَلَوْلَا تَنْفِيذ الْقلب حكمه فِي أعماق الْبدن لم يسع الْإِنْسَان فِي تَحْصِيل مستلذاته ، وَلَوْلَا خدمَة
الْحَواس لِلْعَقْلِ مَا أدركنا شَيْئا ، فَإِن الكسبيات فرع البديهيات والبديهيات فرع المحسوسات ، وَلَوْلَا صِحَة كل عُضْو من الْأَعْضَاء الَّتِي يتَوَقَّف عَلَيْهَا صِحَة الْقلب والدماغ لما كَانَ لَهَا صِحَة وَلَا تمّ لَهما فعل ، وَلَكِن كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَنْزِلَة ملك اهتم بِأَمْر عَظِيم من فتح قلعة صعبة أَو نَحوه ، فاستمد من إخوانه بجيوش ودروع ومدافع وَهُوَ الْمُدبر فِي فتح القلعة وَإِلَيْهِ الحكم وَمِنْه الرَّأْي ، وَإِنَّمَا هم خدم يَمْشُونَ على رَأْيه ، فَجَاءَت صور الْحَوَادِث على حسب الصِّفَات الْغَالِبَة فِي الْملك من جراءته وجبنه وسخائه وبخله وعدالته وظلمه ، فَكَمَا يخْتَلف الْحَال باخْتلَاف الْمُلُوك وآرائهم وصفاتهم - وَإِن كَانَت الجيوش والآلات متشابهة - فَكَذَلِك يخْتَلف حكم كل رَئِيس من الرؤساء الثَّلَاثَة فِي مملكة بدن الْإِنْسَان .
وَبِالْجُمْلَةِ الأفاعيل المنبجسة من كل وَاحِد من هَذِه الثَّلَاثَة تكون مُتَقَارِبَة فِيمَا بَينهَا ، إِمَّا مائلة إِلَى الإفراط والتفريط ، أَو قارة فِيمَا بَين هَذَا وَذَاكَ ، فَإِذا اعْتبرنَا هَذِه الهياكل الثَّلَاثَة مَعَ أفاعيلها المتقاربة وأمزجتها الَّتِي تَقْتَضِي تِلْكَ الأفاعيل المتقاربة دَائِما فَهِيَ اللطائف الثَّلَاث الَّتِي يبْحَث عَنْهَا ، لَا تِلْكَ القوى بذواتها من غير اعْتِبَار شَيْء مَعهَا .
فالقلب من صِفَاته وأفعاله الْغَضَب ، والجراءة ، وَالْحب ، والجبن ، وَالرِّضَا ، والسخط ، وَالْوَفَاء بالمحبة الْقَدِيمَة ، والتلون فِي الْحبّ والبغض ، وَحب الجاه والجود ، وَالْبخل ، والرخاء ، وَالْخَوْف .
وَالْعقل من صِفَاته وأفعاله الْيَقِين . وَالشَّكّ . والتوهم . وَطلب الْأَسْبَاب لكل حَادث والتفكر فِي حيل جلب الْمَنَافِع وَدفع المصار .
وَالنَّفس مُنْتَهى صفاتها الشره فِي المطاعم والمشارب اللذيذة وعشق النِّسَاء وَنَحْو ذَلِك .
وَأما التجربة فَكل من استقرأ أَفْرَاد الْإِنْسَان علم لَا محَالة أَنهم
مُخْتَلفُونَ بِحَسب جبلتهم فِي هَذِه الْأُمُور : مِنْهُم من يكون قلبه هُوَ الْحَاكِم على نَفسه ، وَمِنْهُم من يكون النَّفس هِيَ الْقَاهِرَة على الْقلب
أما الأول فَإِذا أَصَابَهُ غضب ، أَو هاج فِي قلبه طلب منصب عَظِيم يستهين فِي جنبه اللَّذَّات الْعَظِيمَة . ويصبر على تَركهَا ، ويجاهد نَفسه مجاهدة عَظِيمَة فِي تَركهَا .
حجة الله البالغة — صفحة 138
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٣٨