تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
وَأما الآخر فَإِنَّهُ إِذا عرضت لَهُ شَهْوَة اقتحم فِيهَا وَأَن كَانَ هُنَاكَ ألف عَار ، وَلَا يلْتَفت إِلَى مَا يرغب فِيهِ من المناصب الْعَالِيَة ، أَو يرهب مِنْهُ من الذل والهوان ، وَرُبمَا يَبْدُو للرجل الغيور منكح شهي ، وَتَدْعُو إِلَيْهِ نَفسه أَشد دَعْوَة ، فَلَا يركن إِلَيْهَا لخاطر هجس من قلبه من قبيل الْغيرَة ، وَرُبمَا يصبر على الْجُوع والعري ، وَلَا يسْأَل أحدا شَيْء لما جبل فِيهِ من الأنفة ، وَرُبمَا يَبْدُو للرجل الْحَرِيص منكح شهي أَو مطعم هني ، وَيعلم فيهمَا ضَرَرا عَظِيما ، إِمَّا من جِهَة الطِّبّ ، أَو من جِهَة الْحِكْمَة العملية ، أَو من جِهَة سطوة بعض بني آدم فيخاف ، ويرتعش ، ويرعوى ، ثمَّ يعميه الْهوى ، فيقتحم فِي الورطة على علم ، وَرُبمَا يدْرك الْإِنْسَان من نَفسه نزوعا إِلَى جِهَتَيْنِ متخالفتين ، ثمَّ يغلب دَاعِيَة على دَاعِيَة ، ويتكرر مِنْهُ أَفعَال متشابهة على هَذَا النسق حَتَّى يضْرب بِهِ الْمثل ، إِمَّا فِي اتِّبَاع الْهوى وقله الْحفاظ ، وَإِمَّا فِي ضبط الْهوى وَقُوَّة المسكة ، وَرجل ثَالِث يغلب عقله على الْقلب وَالنَّفس كَالرّجلِ الْمُؤمن حق الْإِيمَان انْقَلب حبه وبغضه وشهوته إِلَى مَا يَأْمر بِهِ الشَّرْع وَإِلَى مَا عرف من الشَّرْع جَوَازه بل اسْتِحْبَابه ، فَلَا يَبْتَغِي أبدا عَن حكم الشَّرْع حولا ، وَرجل رَابِع يغلب عَلَيْهِ الرَّسْم وَطلب الجاه وَنفي الْعَار عَن نَفسه ، فَهُوَ يَكْظِم الغيظ ، ويصبر على مرَارَة الشتم مَعَ قُوَّة غَضَبه وَشدَّة جرأته ، وَيتْرك شهواته مَعَ قُوَّة طَبِيعَته ، وَلِئَلَّا يُقَال فِيهِ مَا لَا يُحِبهُ ، لِئَلَّا ينْسب إِلَى الشَّيْء الْقَبِيح ، أَو ليجد مَا يَطْلُبهُ من رفْعَة الجاه وَغَيره ، فالرجل الأول يشبه بالسباع ، وَالثَّانِي بالبهائم ، وَالثَّالِث بِالْمَلَائِكَةِ . وَالرَّابِع يُقَال لَهُ : صَاحب الْمُرُوءَة وَصَاحب معالي الهمم ، لم يجد من عرض النَّاس أَفْرَاد يغلب فِيهَا قوتان مَعًا على الثَّلَاثَة ، وَيكون أَمرهمَا فِيمَا بَينهمَا متشابها ينَال هَذَا من ذَلِك من هَذَا أُخْرَى ، فَإِذا أَرَادَ المستبصر ضبط أَحْوَالهم وَالتَّعْبِير عَمَّا هم فِيهِ اضْطر إِلَى إِثْبَات اللطائف الثَّلَاث . وَأما اتِّفَاق الْعُقَلَاء فَاعْلَم أَن جَمِيع من اعتنى بتهذيب النَّفس الناطقة من أهل الْملَل والنحل اتَّفقُوا على إِثْبَات هَذِه الثَّلَاث أَو على بَيَان مقامات وأحوال تتَعَلَّق بِالثلَاثِ ، فالفيلسوف فِي حكمته العملية يسميها نفسا ملكية ، ونفسا سبعية ، ونفسا بهيمية ، وَفِي هَذِه التَّسْمِيَة نوع من التسامح ، فَسمى الْعقل بِالنَّفسِ الملكية تَسْمِيَة بِأَفْضَل أفرادها ، وسمى الْقلب بِالنَّفسِ السبعية تَسْمِيَة لَهُ بأشهر صافه .