تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
وَلما كَانَ اللِّسَان أسبق الْجَوَارِح إِلَى الْخَيْر وَالشَّر ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَهل يكب النَّاس على مناخرهم إِلَّا حصائد ألسنتهم " ، وَأَيْضًا فَإِن آفاته تخل الإخبات وَالْعَدَالَة والسماحة جَمِيعًا لِأَن إكثار الْكَلَام ينسي ذكر الله ، والغيبة وَالْبذَاء وَنَحْوهمَا تفْسد ذَات الْبَين ، وَالْقلب ينصبغ بصبغ مَا يتَكَلَّم بِهِ فَإِذا ذكر كلمة الْغَضَب لَا بُد أَن ينصبغ الْقلب بِالْغَضَبِ وعَلى هَذَا الْقيَاس ، والانصباغ يُفْضِي إِلَى التشبح - يجب أَن يبْحَث الشَّرْع عَن آفَات اللِّسَان أَكثر من آفَات غَيره ، وآفات اللِّسَان على أَنْوَاع : مِنْهَا أَن يَخُوض فِي كل وَاد فتجتمع فِي الْحس الْمُشْتَرك صور تِلْكَ الْأَشْيَاء ، فَإِذا توجه إِلَى الله لم يجد حلاوة الذّكر ، وَلم يسْتَطع تدبر الْأَذْكَار ، وَلِهَذَا الْمَعْنى نهى عَمَّا لَا يعْنى . وَمِنْهَا أَن يثير فتْنَة بَين النَّاس كالغيبة والجدال والمراء . وَمِنْهَا أَن يكون مُقْتَضى تفشى النَّفس بغاشية عَظِيمَة من السبعية والشهوية كالشتم وَذكر محَاسِن النِّسَاء . وَمِنْهَا أَن يكون سَبَب حُدُوثه نِسْيَان جلال الله والغفلة عَمَّا عِنْد الله كَقَوْلِه للْملك : ملك الْمُلُوك . وَمِنْهَا أَن يكون مناقضا لمصَالح الْملَّة بِأَن يكون مرغبا لما أمرت الْملَّة بهجره كمدح الْخمر وَتَسْمِيَة الْعِنَب كرما أَو يعجم كتاب الله كتسمية الْمغرب عشَاء وَالْعشَاء عتمة . وَمِنْهَا أَن يكون كَامِلا شنيعا مثلا كَمثل الْأَفْعَال الشنيعة المنسوبة إِلَى الشَّيَاطِين كالفحش وَذكر الْجِمَاع والأعضاء المستورة بِصَرِيح مَا وضع لَهَا ، وكذكر مَا يتطير بِهِ كَقَوْلِه : لَيْسَ بِالدَّار نجاح وَلَا يسَار . ثمَّ لَا بُد من بَيَان مَا كثر وُقُوعه من مظان السماحة وتميز مَا اعْتَبرهُ الشَّرْع بِمَا لم يعتبره ، فَمِنْهَا الزّهْد فَإِن النَّفس رُبمَا تميل إِلَى شَره الطَّعَام واللباس وَالنِّسَاء حَتَّى تكتسب من ذَلِك لونا فَاسِدا يدْخل فِي جوهرها ، فَإِذا نفضه الْإِنْسَان عَن نَفسه فَذَلِك الزّهْد فِي الدُّنْيَا ، وَلَيْسَ ترك هَذِه الْأَشْيَاء مَطْلُوبا بِعَيْنِه بل إِنَّمَا يطْلب تَحْقِيقا لهَذِهِ الْخصْلَة ، وَلذَلِك
حجة الله البالغة — صفحة 131 | ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي ) / السيد سابق