تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
وَاعْلَم أَن النِّيَّة روح ، وَالْعِبَادَة جَسَد ، وَلَا حَيَاة للجسد بِدُونِ روح ، وَالروح لَهَا حَيَاة بعد مُفَارقَة الْبدن ، وَلَكِن لَا يظْهر آثَار الْحَيَاة كَامِلَة بِدُونِهِ ، وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى : { لن ينَال الله لحومها وَلَا دماؤها وَلَكِن يَنَالهُ التَّقْوَى مِنْكُم } . وَقَالَ رَسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " وَشبه النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كثير من الْمَوَاضِع من صدقت نِيَّته - وَلم يتَمَكَّن من الْعَمَل لمَانع - بِمن عمل ذَلِك الْعَمَل كالمسافر وَالْمَرِيض لَا يستطيعان وردا واظبا عَلَيْهِ ؛ فَيكْتب لَهما وكصادق الْعَزْم فِي الانفاق ، وَهُوَ مملق يكْتب كَأَنَّهُ أنْفق وأعني بِالنِّيَّةِ الْمَعْنى الْبَاعِث على الْعَمَل من التَّصْدِيق بِمَا أخبر بِهِ الله على أَلْسِنَة الرُّسُل من ثَوَاب الْمُطِيع وعقاب العَاصِي ، أَو حب امْتِثَال حكم الله فِيمَا أَمر ، وَنهى ، وَلذَلِك وَجب أَن ينْهَى الشَّارِع عَن الرِّيَاء والسمعة ، وَيبين مساويهما أصرح مَا يكون ، فَمن ذَلِك قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِن أول النَّاس يقْضى عَلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة ثَلَاثَة : رجل قتل فِي الْجِهَاد ليقال لَهُ : وَهُوَ رجل جريء ، وَرجل تعلم الْعلم وَعلمه ليقال : هُوَ عَالم . وَرجل أنْفق فِي وُجُوه الْخَيْر ليقال هُوَ جواد ، فَيُؤْمَر بهم ، فيسحبون على وُجُوههم إِلَى النَّار " ، قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن الله تَعَالَى : " أَنا أغْنى الشُّرَكَاء عَن الشّرك ، من عمل عملا أشرك فِيهِ غَيْرِي تركته وشركه " . أما حَدِيث أبي ذَر رَضِي الله عَنهُ " قيل : يَا رَسُول الله أَرَأَيْت الرجل يعْمل الْعَمَل من الْخَيْر وَيَحْمَدهُ النَّاس عَلَيْهِ ؟ قَالَ : تِلْكَ عَاجل بشرى الْمُؤمن " فَمَعْنَاه أَن يعْمل الْعَمَل لَا يقْصد بِهِ إِلَّا وَجه الله ، فَينزل الْقبُول إِلَى الأَرْض ، فَيُحِبهُ النَّاس ، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ " قلت : يَا رَسُول الله بَينا أَنا فِي بَيْتِي فِي مصلاي إِذْ دخل عَليّ رجل ، فأعجبتني الْحَال الَّتِي رَآنِي عَلَيْهَا ، قَالَ : رَحِمك الله يَا أَبَا هُرَيْرَة ، لَك أَجْرَانِ ، أجر السِّرّ ، ووأجر الْعَلَانِيَة " ممعناه أَن يكون الْإِعْجَاب مَغْلُوبًا لَا يبْعَث بِمُجَرَّدِهِ على الْعَمَل ، و " أجر السِّرّ " أجر الاخلاص الَّذِي يتَحَقَّق فِي السِّرّ ، و " أجر الْعَلَانِيَة " أجر إعلاء دين الله وإشاعة السّنة الراشدة . قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خياركم أحاسنكم أَخْلَاقًا " أقول : لما كَانَ بَين السماحة وَالْعَدَالَة نوع من التَّعَارُض كَمَا نبهنا عَلَيْهِ ، وَكَانَ بِنَاء عُلُوم الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام على رِعَايَة المصلحتين وَإِقَامَة نظام الدَّاريْنِ ، وَأَن يجمع بَين الْمصَالح مَا أمكن وَجب أَلا يعين فِي النواميس للسماحة إِلَّا أَشْيَاء تشتبك مَعَ الْعَدَالَة ، وتؤيدها وتنبه عَلَيْهَا ، فَنزل الْأَمر إِلَى حسن الْخلق وَهُوَ عبارَة عَن مَجْمُوع أُمُور من بَاب السماحة وَالْعَدَالَة ، فَإِنَّهُ يتَنَاوَل الْجُود وَالْعَفو عَمَّن ظلم والتواضع وَترك الْحَسَد والحقد وَالْغَضَب ، وكل ذَلِك من السماحة ، ويتناول التودد إِلَى النَّاس وصلَة الرَّحِم وَحسن الصُّحْبَة مَعَ النَّاس ومواساة المحاويج ، وَهِي من بَاب الْعَدَالَة ، والفصل الأول يعْتَمد على الثَّانِي ، وَالثَّانِي لَا يتم إِلَّا بِالْأولِ ، وَذَلِكَ فِي الرَّحْمَة المرعية من النواميس الإلهية .